عند العرب إلا إذا تابعنا المراحل التي تطورت معها القبيلة وذلك في عصري الجاهلية والاسلام لأن النسب والقبيلة توأمان متلازمان أحدهما يستمد وجوده من الاخر، وأي تطور يطرأ على طرف يتأثر به الطرف الاخر مباشرة.
فالقبيلة هي عماد الحياة في البادية، أركانها: عصبية تأخذ بالحق لصالح أفرادها وتدافع عنهم، أعراف وتقاليد يجب أن تطاع من قبل الجميع، نسب يوحد ويجمع شمل القبيلة وبه يكون الفخر والقوة. فالأسرة نواة القبيلة ومن تجمع هذه الأسر التي تربط بينها أواصر الرحم وتلتقي أنسابها عند الأب المشترك تتكون القبيلة، فالرابطة القوية التي تربط بين أبناء القبيلة الواحدة هي رابطة الدم الواحد، لذلك نجد أهل الأنساب يرجعون نسب كل قبيلة إلى جد أعلى ثم يرجعون أنساب أجداد القبائل إلى جدود أقدم وهكذا [1]
وهذه النظرة الخاصة بتعريف القبيلة هي التي حملت أهل الأنساب على إطلاق لفظة (القبيلة) على الحضر أيضا مع أنهم أقاموا واستقروا، فقريش عندهم قبيلة، وثقيف قبيلة، والأوس والخزرج قبيلة وذلك لأن هؤلاء وإن تحضروا واستقروا فإنهم ظلوا متمسكين بالانتساب إلى جد أعلى والاعتقاد برابطة الدم الواحد الذي يجمعهم. وكانت القبيلة في العصر الجاهلي وحدة سياسية مستقلة قائمة بذاتها، كما كانت وحدة اجتماعية لها نظمها وأعرافها وتقاليدها، فكل قبيلة كانت أشبه بدولة مصغرة حتى أنها كانت مستقلة دينيا بحيث كان لكل قبيلة صنمها الديني تقدسه وتقدم له القرابين، فلم يكن للعرب الهة مشتركة تجمع على تقديسها قبائل العرب كافة.
ولكن هذا لا يعني أن كل قبيلة كانت تعيش في عزلة عن أخواتها سياسيا واجتماعيا وإنما كانت هناك علاقات سياسية تربط في ما بينها تتمثل بالأحلاف والمعاهدات والجوار، وعلاقات اجتماعية تتمثل بالمصاهرات التي شغلت دورا هاما في ربط القبائل بعضها ببعض، وكان هناك علاقات تجارية أيضا، حيث يتم تبادل المنتجات بين القبائل في أسواق ومواسم معروفة كسوق عكاظ مثلا الذي ذاع صيته، ولم تكن هذه الأسواق مراكز تجارية فقط، بل مراكز ثقافية إعلامية أيضا حيث يتم فيها تبادل الأخبار والأفكار بل والتفاخر واستعراض كل قبيلة قوتها وما عندها من ذخيرة معنوية ومادية. وكان الذي يقوم بهذا الدور الخطباء والشعراء فكل واحد منهم بمثابة مندوب إعلامي، يقوم بالدعاية لصالح قبيلته.
ونتيجة اتصال القبائل بعضها ببعض عبر الطرق التي ذكرت سابقا وعبر الغزو والحرب
(1) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، جواد علي 4/ 313.