كل هذه الظروف صيرت من عاش فيها إنسانا قلقا هائما على وجهه، ينتقل من مكان إلى مكان بحثا عن ماء وغذاء من أجل ذلك كثر الترحال في طلب العيش والكلأ، فهذا النوع من البيئة هو الذي حدد نوع معيشة الناس فيها. فهم فقراء ثروتهم في كثرة مواشيهم وهذه الثروة تحت رحمة الطبيعة، فقد تنفق الماشية، أو قد ينضب ماء الابار ويقل المطر فيقل المرعى ويسوء العيش. فهذا النوع من البيئة حدد أخلاق هؤلاء الناس وعقليتهم أليس البؤس هو الذي جعل الكرم وإطعام الطعام وإيقاد النيران يهتدي بها الضيفان من أفضل الفضائل [1] ؟
أليس الفقر وصراع البقاء هو الذي دفعهم للإغارة والغزو، وجعلهم يسترخصون النفوس من أجل الدفاع عن الحمى وعن وجود القبيلة.
وكما كان كل شيء في الطبيعة حرا على الفطرة، كذلك كانت نفوسهم محررة من كل قيود إلا قيد القبيلة وما يستلزمه من واجبات شاقة، فكانوا لتقاليد قبيلتهم أشد إخلاصا ولأفرادها أكثر وفاء تلك هي البادية وتأثيرها في حياة سكانها.
أما في جنوب شبه جزيرة العرب فلا يخلو الأمر من وجود بعض الأماكن التي خرجت منها عيون ماء سالت فوق الأرض بقدر ومقدار، ومواضع قرب الماء فيها من سطح التربة فاستنبطه الإنسان، وأماكن انهمرت من سمائها أمطار حبسها الإنسان واستقر بها وتحضر وأسس دولا وممالك وحضارات (سبأ، معين، حمير) لا تزال اثارها باقية إلى اليوم وهكذا صيرت البيئة العرب سكان بادية رحل وسكان حاضرة مستقرين وذلك نبعا لما تجود به الطبيعة على الانسان. ولكن وإن اختلفت ظروف معيشتهم وطبيعة بيئتهم إلا أنهم يتشابهون من حيث تكوين البناء الاجتماعي فالنظام القبلي كان القاسم المشترك بين الجماعتين.
ولعلنا نتساءل ما طبيعة النظام القبلي؟ ما الأسس التي قام عليها؟ ما القبيلة وكيف تكونت؟ ولماذا حرص العربي حرصا شديدا على نسبه وما الدافع لذلك؟.
وللإجابة عن هذه التساؤلات لا بد من التعرف على وضع الخلية الأساسية التي تكون منها المجتمع العربي ألا وهي القبيلة التي كان النسب لها بمثابة الروح التي تهب الحياة والدعامة القوية التي قام عليه نظامها ولا يمكن أن نتتبع تطور علم الأنساب
(1) فجر الاسلام ص 46.