وكذلك في قول يزيد بن الحذاق الشني معتزا بقومه:
يتأبى لنا أنا ذوو أنف ... وأصولنا من محتد المجد [1]
ولم يكن الشعر الجاهلي المصدر الوحيد الذي أكد اهتمام العرب بأنسابهم وأصولهم بل أيد ذلك أيضا بعض الكتابات الجاهلية التي ذكرت أسماء جملة أجداد لأشخاص دونوا أسماءهم في تلك الكتابات، فقد دون على شاهد قبر (معن) اسم أبيه وجدين من أجداده [2] .
وهناك أمثلة أخرى تثبت عناية العرب في الجاهلية بأنسابهم وحفظها وهي من أهم المزايا التي حافظ عليها العرب إلى هذا اليوم، فحاجة العربي للنسب كحاجة إنسان اليوم للوطن والجنسية فهو الذي يحافظ على حقوقه ويردع الظالم عنه ويأخذ حق المظلوم منه.
ويعود سبب هذه العناية بالأنساب إلى طبيعة البناء القبلي الذي أثرت في تكوينه ظروف البيئة الطبيعية، حيث كان النسب حجر الأساس الذي قام عليه هذا البناء، والركن الهام الذي استمر وجوده، ولم يكن من السهل الاستغناء عنه حتى بعد أن أقام العرب دولتهم الكبرى وأسسوا حواضر مزدهرة ارتبطت بها أصقاع شتى. فالطبيعة والمناخ جعلا العصبية القبلية رابطة أساسية تجمع الأفراد.
ولاختلاف مظاهر البيئة من الجنوب إلى الشمال في شبه جزيرة العرب، أكبر الأثر في تشكيل المجتمع بين بدو رحل في الشمال وحضر مستقرين في الجنوب، ولكن النظام القبلي سيطر على المجموعتين. فالاقليم الذي عاش فيه عرب الشمال، لا يصد هواءه بناء ولا يحجب شمسه غيم، ولا يحبس أمطاره وسيوله سد، كل شيء فيه حر على الفطرة [3] ، أشعة شمس لاذعة تشوي الوجوه، أعاصير وعواصف (رياح السموم) ترفع الرمال وتحطها على هواها، ندرة في الأنهار، إسراف في البوادي والصحاري كأنها بحر من رمال لا حدود له. أمطار شحيحة لقلتها كانت الغيث الذي ينقذ من الهلاك والفناء [4] .
(1) المصدر السابق ص 296.
(2) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، جواد علي طبعة بيروت 42/ 353، 4/ 353.
(3) فجر الإسلام، أحمد أمين، ص 46.
(4) العصر الجاهلي شوقي ضيف نشر دار المعارف القاهرة ص 21.