ولكننا إذا عدنا إلى رواية عبيد بن شرية وحديثه لمعاوية الذي ذكرناه انفا وغير ذلك من الروايات نجد فيها جذور هذا التقسيم ويعتبر ذلك أول مرحلة من الربط بين عرب الجنوب وعرب الشمال وتدل أيضا على أن جذور هذا التقسيم كانت معروفة قبل ذلك كما وجدنا في رد معاوية على عبيد بن شريه لما حدثه عن أصل العرب إذ قال معاوية له: «كأنك تحدث عن حديث الجاهلية» .
أما ظاهرة الهجرة عند العرب قديما فكانت أيضا لدى دارسيها بين نفي وإثبات وشك وتأكيد وكان أول المستشرقين المؤكدين لها / كايتاني / وقد وضع تعليلا لهذه الظاهرة بأن سببها الجفاف الذي طرأ على بلاد العرب وحول أكثر بقاعها الخصبة إلى صحار قاحلة إذ قال: أنه لما توسعت منطقة الجفاف وأخذت الرطوبة تقل في جو بلاد العرب الغربي ظهرت الأعراض الصحراوية في تلك الأرضين لذلك اضطر السكان إلى الهجرة منها إلى مناطق أخرى [1] .
ولكن المستشرق / هاليفي / أنكر ما يقال من هجرات قبائل عربية من الجنوب إلى الشمال وأنكر بالتالي ما يقال عن نسبة هذه القبائل الشمالية إلى اليمن وقد علل هذا الباحث شكه بأن أسماء الأعلام في المناطق الشمالية في القرن السابع ليس فيها بقايا الأسماء الشائعة في جنوب بلاد العرب [2] .
وكذلك ذهب المستشرق / موسل / إلى حد الشك الكامل في أخبار الهجرات العربية وما يتصل بها من انقسام العرب إلى قحطانية وعدنانية، ونقد نظرية كايتاني المؤيدة لفكرة وجود الهجرات القديمة، وقال إن ذلك يحتاج إلى دليل تاريخي قوي وفسر انتساب القبائل إلى أن العرب الجنوبيين كانوا قد هيمنوا في الجاهلية وقبل الإسلام بقرون على الطرق التجارية التي تصل الشام باليمن وعلى الطرق التجارية الاخرى، وكانت لهم فيها حاميات وظيفتها حماية القوافل من غارات الأعراب ومع مرور الزمن وعند ضعف حكومات اليمن استقلت هذه الحاميات واندمجت بالتزاوج مع من جاورها من القبائل ولما كان لليمن مقام عظيم وشرف بين القبائل انتسب هؤلاء إلى اليمن وعدوا أنفسهم مهاجرين يتصل نسبهم بنسب اليمن وهذا مما يفند رأي القائلين بالهجرات وبأن
(1) من كتاب المفصل في تاريخ العرب جواد علي 1/ 245.
(2) تاريخ الأدب العربي بلاشير ترجمة ابراهيم كيلاني ص 29.