أصل كثير من القبائل التي كانت تقيم في شمال جزيرة العرب ومن هؤلاء الغساسنة والمناذرة هم من اليمن [1] .
إلا أنه وجد عدد من الباحثين الذين خالفوا ما ذهب اليه موسل وهاليفي في مسألة هجرة القبائل الجنوبية إلى الشمال، ومنهم (بلاشير) إذ يرى أن هذه الهجرات الناجمة عن الجفاف هي حقيقة لا مجال للشك فيها وهو ينقض رأي هاليفي من وجوه كثيرة منها أن بعض الأعلام السورية تحمل طابعا يمانيا وأن هناك قبائل لها أسماء واحدة وقد نزلت في مواطن مختلفة مثل كندة التي نزل قسم منها في بلاد نجد والقسم الاخر في حضر موت الخ [2] . وإذ نحن عدنا إلى نتائج الأبحاث الحديثة بمجملها نجد أن ظاهرة الهجرة هي ظاهرة تاريخية معروفة منذ أقدم العصور في بلاد العرب وهي الهجرات المستمرة لقبائلها وشعوبها من جنوب الجزيرة ومن وسطها، إلى الشرق في العراق وايران إلى الشمال في الشام والجزيرة وإلى القرب من مصر والحبشة مما جعل جزيرة العرب على ممر العصور (منطقة طرد) سكاني كما يقول الجغرافيون المحدثون.
وأمر الهجرة وترك الوطن لا يأتيها الإنسان عن طيب خاطر إنما هي ناشئة عن ظروف الطبيعة القاسية التي تدفعه إلى وحشة الغربة، عندما يشح الماء والزاد في بعض السنوات أو عندما تلم بالبلاد كوارث الطبيعة من السيول الجارفة أو ثورات الرياح أو انتشار الأوبئة بسبب مثل هذه الظروف التي كانت عادية في بلاد العرب، تفرق السكان في كل أرجاء الجزيرة وفي ما جاورها من البلاد. وفي مثلها أيضا هلكت شعوب وبادت أقوام كما في القصص الذي يروي عن أخبار العرب القدماء من عاد وثمود وغيرها.
وفي حقيقة الأمر كانت ظاهرة الهجرة هذه السبب في اختلاف النسابين في نسب بعض القبائل مثل قبيلة (أنمار) فمنهم من عدها من ولد (نزار) ومنهم من أضافها إلى اليمن. والذين يضيفونها إلى (نزار) يقولون إن أنمارا هو شقيق ربيعة ومضر وأياد فهو أحد أبناء نزار دخل نسله في اليمن فأضيفوا اليه ومن هنا حدث هذا الخلاف. أما اليمانية فيرون أن أنمارا هو منهم وكان أحد ولد (سبأ) العشرة وكل فريق أيد وجهة نظره بأحاديث نبوية منسوبة إلى الرسول. ولكن في الحقيقة نرى أنه لولا دخول أنمار في قبائل عدنانية
(1) المفصل جواد علي 1/ 249، 250.
(2) تاريخ الأدب العربي بلاشير ترجمة د. ابراهيم كيلاني ص 29.