وظاهر من مناسبة هذه الآيات في سياق المعركة , أن هذه كانت أقوال المنافقين الذين رجعوا قبل المعركة , والمشركين من أهل المدينة الذين لم يدخلوا في الإسلام ; ولكن ما تزال بين المسلمين وبينهم علاقات وقرابات. .
وأنهم اتخذوا من مقاتل الشهداء في أحد , مادة لإثارة الحسرة في قلوب أهليهم , واستجاشة الأسى على فقدهم في المعركة - نتيجة لخروجهم - ومما لا شك فيه أن مثل هذه الفتنة والمواجع دامية مما يترك في الصف المسلم الخلخلة والبلبلة. ومن ثم جاء هذا البيان القرآني لتصحيح القيم والتصورات , ورد هذا الكيد إلى نحور كائديه.
إن قول الكافرين: (لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) . . ليكشف عن الفارق الأساسي في تصور صاحب العقيدة وتصور المحروم منها , للسنن التي تسير عليها الحياة كلها وأحداثها: سراؤها وضراؤها. . إن صاحب العقيدة مدرك لسنن الله , متعرف إلى مشيئة الله , مطمئن إلى قدر الله. إنه يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له , وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه , وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. ومن ثم لا يتلقى الضراء بالجزع , ولا يتلقى السراء بالزهو , ولا تطير نفسه لهذه أو لتلك ; ولا يتحسر على أنه لم يصنع كذا ليتقي كذا , أو ليستجلب كذا , بعد وقوع الأمر وانتهائه!
فمجال التقدير والتدبير والرأي والمشورة , كله قبل الإقدام والحركة ; فأما إذا تحرك بعد التقدير والتدبير - في حدود علمه وفي حدود أمر الله ونهيه - فكل ما يقع من النتائج , فهو يتلقاه بالطمأنينة والرضى والتسليم ; موقنا أنه وقع وفقا لقدر الله وتدبيره وحكمته ; وأنه لم يكن بد أن يقع كما وقع ; ولو أنه هو قدم أسبابه بفعله!. .
توازن بين العمل والتسليم , وبين الإيجابية والتوكل , يستقيم عليه الخطو , ويستريح عليه الضمير. . فأما الذي يفرغ قلبه من العقيدة في الله على هذه الصورة المستقيمة , فهو أبدا مستطار , أبدا في قلق! أبدا في"لو"و"لولا"و"يا ليت"و"وا أسفاه"!
والله - في تربيته للجماعة المسلمة , وفي ظلال غزوة أحد وما نال المسلمين فيها - يحذرهم أن يكونوا كالذين كفروا. أولئك الذين تصيبهم الحسرات , كلما مات لهم قريب وهو يضرب في الأرض ابتغاء الرزق , أو قتل في ثنايا المعركة وهو يجاهد:
(يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) . .