فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 460

خالصة قلوبهم لهذا المعنى , مجردة من كل ملابسة أخرى - فإذا هؤلاء الشهداء أحياء , لهم كل خصائص الأحياء. فهم"يرزقون"عند ربهم. وهم فرحون بما آتاهم الله من فضله. وهم يستبشرون بمصائر من وراءهم من المؤمنين. وهم يحفلون الأحداث التي تمر بمن خلفهم من إخوانهم. .

فهذه خصائص الأحياء: من متاع واستبشار واهتمام وتأثر وتأثير. فما الحسرة على فراقهم ؟ وهم أحياء موصولون بالأحياء وبالأحداث , فوق ما نالهم من فضل الله , وفوق ما لقوا عنده من الرزق والمكانة ؟ وما هذه الفواصل التي يقيمها الناس في تصوراتهم بين الشهيد الحي ومن خلفه من إخوانه ؟ والتي يقيمونها بين عالم الحياة وعالم ما بعد الحياة ؟ ولا فواصل ولا حواجز بالقياس إلى المؤمنين , الذين يتعاملون هنا وهناك مع الله. . ؟

إن جلاء هذه الحقيقة الكبيرة ذو قيمة ضخمة في تصور الأمور. إنها تعدل - بل تنشىء إنشاء - تصور المسلم للحركة الكونية التي تتنوع معها صور الحياة وأوضاعها , وهي موصولة لا تنقطع ; فليس الموت خاتمة المطاف ; بل ليس حاجزا بين ما قبله وما بعده على الإطلاق!

إنها نظرة جديدة لهذا الأمر , ذات آثار ضخمة في مشاعر المؤمنين , واستقبالهم للحياة والموت , وتصورهم لما هنا وما هناك.

(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) . .

والآية نص في النهي عن حسبان أن الذين قتلوا في سبيل الله , وفارقوا هذه الحياة , وبعدوا عن أعين الناس. . أموات. . ونص كذلك في إثبات أنهم"أحياء". ."عند ربهم". ثم يلي هذا النهي وهذا الإثبات , وصف ما لهم من خصائص الحياة. فهم"يرزقون". .

ومع أننا نحن - في هذه الفانية - لا نعرف نوع الحياة التي يحياها الشهداء , إلا ما يبلغنا من وصفها في الأحاديث الصحاح. .

إلا أن هذا النص الصادق من العليم الخبير كفيل وحده بأن يغير مفاهيمنا للموت والحياة , وما بينهما من انفصال والتئام. وكفيل وحده بأن يعلمنا أن الأمور في حقيقتها ليست كما هي في ظواهرها التي ندركها ; وإننا حين ننشىء مفاهيمنا للحقائق المطلقة بالاستناد إلى الظواهر التي ندركها. لا ننتهي إلى إدراك حقيقي لها ; وأنه أولى لنا أن ننتظر البيان في شأنها ممن يملك البيان سبحانه وتعالى.

فهؤلاء ناس منا , يقتلون , وتفارقهم الحياة التي نعرف ظواهرها , ويفارقون الحياة كما تبدو لنا من ظاهرها. ولكن لأنهم: قتلوا في سبيل الله ; وتجردوا له من كل الاعراض والأغراض الجزئية الصغيرة ; واتصلت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت