أولا: منها ماجبلوا عليه من الفدائية والتضحية وحب الاستشهاد، ورخص الحياة عليهم إذا كانت ذليلة، فالموت العزيز لديهم خير من الحياة الذليلة.
لا تسقني ماء الحياة بذلةٍ --- بل فاسقني بالعز كأس الحنظلِ
ثانيا: ومنها مايتعرضون له في عدد من بلادهم من سطوة أعدائهم وجراءتهم عليهم نظرًا لتخلفهم العلمي والتقني والحضاري، وتفوق أعدائهم في هذا المضمار، فصارت بعض البلاد الإسلامية كلأً مباحًا للمستعمرين والمحتلين، وهذا مانشاهده في أرض فلسطين المباركة، وفي كشمير، وفي أرض الشيشان، ومن قبل في أفغانستان، إضافة إلى الجمهوريات الإسلامية التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي من قبل.
ثالثا: ومنها ضيق الخيارات لديهم، فإن من عوامل قوة الإنسان أن تعدم الخيارات لديه أو تقل، وبهذا تطيب له الحياة، لأنه لا شئ لديه يخسره، وهذا يمنحه طاقة جديدة.
ولهذا كثر التساؤل عن مثل هذه العمليات التي يسميها بعضهم"بالعمليات الاستشهادية"إيذانًا بمشروعيتها، ويسميها آخرون بـ"العمليات الانتحارية"إيذانًا بمنعها أو تقليدًا لوسائل الإعلام.
وقد اختلف فيها الفقهاء المجتهدون منعًا أوإذنًا بحسب ماظهر لهم من النظر والترجيح.
وبمراجعة الحالات المشابهة في النصوص الشرعية، و الوقائع التاريخية نجد مايمكن الاستئناس به في أمر هذه المسألة:
أولا: ففي مصنف ابن أبي شيبة عن محمد بن إسحاق (وهو صدوق مدلس) عن عاصم بن محمد بن قتادة قال: قال معاذ بن عفراء: يا رسول الله، مايضحك الرب من عبده؟ قال: غمسه يده في العدو حاسرًا. قال: فألقى درعًا كانت عليه، فقاتل حتى قتل.
وصححه ابن حزم في المحلى (7/ 294) وذكره الطبري في تاريخه (2/ 33) عن عوف بن الحارث، وهو ابن عفراء، وهكذا في سيرة ابن هشام (3/ 175) .
ثانيا: وقد روى ابن حزم في المحلى (نفسه) عن أبي إسحاق السبيعي قال: سمعت رجلًا سأل البراء بن عازب: أرأيت لو أن رجلًا حمل على الكتيبة، وهم ألف، ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال البراء: لا، ولكن التهلكة أن يصيب الرجل الذنب فيلقي بيده، ويقول: لا توبة لي. قال: ولم ينكر أبوأيوب الأنصاري، ولا أبوموسى الأشعري أن يحمل الرجل وحده على العسكر الجرار، ويثبت حتى يقتل.