الْمُعْسِرِ وَأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقِيلَ: كَانَ يَقْضِيهِ تَكَرُّمًا لَا وُجُوبًا , وَهَلْ عَلَى الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ قَضَاءُ دَيْنِ الْمُعْسِرِينَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُسَاعِدُ الْمَالِكِيَّةَ , وَأَيًّا مَا كَانَ فَالْإِرْضَاءُ بِالْحَسَنَاتِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ فَيَقْتَضِي تَارَةً تَأَخُّرَ دُخُولِ الشَّهِيدِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرْضَى خَصْمُهُ وَلَا يَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَنْعَمَ رُوحُهُ فِي غَيْرِ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , نَعَمْ إذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ خَصْمِهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ وَاقْتَضَى ذَلِكَ دُخُولَ النَّارِ , هَلْ نَقُولُ إنَّهُ يَدْخُلُ وَإِنْ كَانَ شَهِيدًا وَإِذَا دَخَلَ وَلَمْ يَرْضَ صَاحِبُهُ إلَّا بِالدَّيْنِ كَيْفَ يَكُونُ الْحُكْمُ؟ اللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَعَلَّ اللَّهَ يُرْضِي خَصْمَهُ بِمَا شَاءَ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ هَكَذَا حُكْمُ تَبِعَاتِ الْآدَمِيِّينَ. أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهَا تُغْفَرُ كُلُّهَا بِالشَّهَادَةِ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُعْتَقَدُ ذَلِكَ لَكِنَّا لَانْقَطَعَ بِعَدَمِ دُخُولِهِ النَّارَ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ دَلَالَةَ الْعُمُومِ ظَنِّيَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ , وَالثَّانِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الشَّهَادَةَ سَبَبٌ قَوِيٌّ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنْ النَّارِ كَقَوْلِهِ {مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ} وَنَحْوُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَمَعْنَاهُ مَا لَمْ يُعَارِضْ مُعَارِضٌ فَقَدْ تُعَارِضُ كَبَائِرُ أُخْرَى عَظِيمَةٌ تَمْنَعُ الْبِدَارَ إلَى ذَلِكَ هَذَا بِدُونِ مَظَالِمِ الْعِبَادِ أَمَّا مَعَ مَظَالِمِ الْعِبَادِ فَظَنُّ النَّجَاةِ مِنْ النَّارِ أَضْعَفُ وَإِنْ كَانَ يَقْوَى فِيهِ أَيْضًا بَعْدَ إرْضَاءِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ خُصُومَ الشَّهِيدِ وَنَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَعِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِآدَمِيٍّ. (فَرْعٌ) جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ {مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ تَمَنِّي هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ} وَفِيهِ أَيْضًا {مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ} وَاَلَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِ مَرْتَبَةَ الشُّهَدَاءِ لِقَصْدِهِ وَسُؤَالِهِ وَعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْوُصُولِ إلَيْهَا وَلِلْمَرْءِ فِيمَا يَنْوِيهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا أَنْ يُمْكِنَهُ الْفِعْلُ فَيُؤْجَرُ عَلَى نِيَّتِهِ أَجْرًا دُونَ أَجْرِ الْفِعْلِ. الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ لَهُ عَادَةٌ بِهِ فَكُتِبَ لَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا} وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعُذْرَ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَرَضِ أَوْ السَّفَرِ هُوَ الَّذِي مَنَعَهُ. الثَّالِثَةُ أَنْ لَا تَصِلَ قُدْرَتُهُ إلَيْهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ طَالِبَ الشَّهَادَةِ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهَا فَقَدْ فَعَلَ مَا فِي وُسْعِهِ فَإِذَا قُطِعَ عَنْهُ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ سِعَةِ فَضْلِهِ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يُسَمَّى شَهِيدًا فِي الْعُرْفِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسَمَّى حَتَّى لَوْ حَلَفَ حَالِفٌ لَيُصَلِّيَنَّ عَلَى شَهِيدٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ بَرَّ. وَالْكَلَامُ فِي هَذَا كَالْكَلَامِ فِي {أَنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَهَذِهِ الصُّورَةُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَعَانِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَإِلْحَاقُهَا بِهَا إنَّمَا هُوَ بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ وَلَا بِمَعْنًى جَامِعٍ غَيْرِ الِاشْتِرَاكِ النِّيَّةِ , وَنِيَّةُ