الْغَالِّ أَكْمَلَ وَأَعْظَمَ أَجْرًا. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَةٍ خَطَبَهَا: تَقُولُونَ فِي مَغَازِيكُمْ فُلَانٌ قُتِلَ شَهِيدًا وَلَعَلَّهُ قَدْ أَوْقَرَ دَابَّتَهُ غُلُولًا لَا تَقُولُوا ذَلِكَ وَلَكِنْ قُولُوا مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ , وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ عُمَرَ مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ لَا يُبَالِغُ فِي الثَّنَاءِ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: إنَّمَا الشَّهِيدُ الَّذِي لَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ يَعْنِي الَّذِي يَمُوتُ عَلَى فِرَاشِهِ مَغْفُورًا لَهُ. وَهَذَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه شَدِيدٌ. وَأَمَّا الَّذِي قِيلَ فِيهِ: مَا أَجْزَأَ أَحَدٌ مِنَّا الْيَوْمَ مَا أَجْزَأَ فُلَانٌ قَوْلَ فُلَانٍ , وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيهِ {أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ} وَقَتَلَ نَفْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اطَّلَعَ عَلَى حَالِهِ بِنِفَاقٍ أَوْ سُوءِ خَاتِمَةٍ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَلِذَلِكَ قَالَ إنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّهُ يَشْعُرُ بِالْخُلُودِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي مِدْعَمٍ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا لَمَّا كَانَتْ مَعْصِيَةٌ اخْتَصَّ عَذَابُهَا بِسَائِرِ الْبَدَنِ. (الشَّرْطُ الثَّانِي) الصَّبْرُ {جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعَمْ فَلَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ كَيْفَ قُلْتَ فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَعَمْ إلَّا الدَّيْنَ كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عليه السلام} . هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فَقَالَ فِيهِ {جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ كَفَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ خَطَايَايَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ كَفَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَطَايَاكَ إلَّا الدَّيْنَ كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ} وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَهُوَ يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ يَنْتَفِي الْحُكْمُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ بِخِلَافِ رِوَايَةِ مَالِكٍ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي الِاشْتِرَاطِ حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ لَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِرِوَايَةِ مَالِكٍ فَلَا إشْكَالَ. وَإِنْ أَخَذْنَا بِرِوَايَةِ اللَّيْثِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم {مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} مَنْطُوقٌ وَالْمَنْطُوقُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَفْهُومِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْمَوْعُودَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَكْفِيرُ الْخَطَايَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ كَوْنِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَهَذَا أَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ وَبِهِ يُعْرَفُ أَنَّ دَرَجَاتِ الشُّهَدَاءِ مُتَفَاوِتَةٌ فَاَلَّذِي يُقْطَعُ بِتَكْفِيرِ الْخَطَايَا لَهُ غَيْرُ الدَّيْنِ هُوَ الَّذِي جَمَعَ هَذِهِ الصِّفَاتِ , وَأَمَّا غَيْرُهُ فَقَدْ يُغْفَرُ لَهُ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: جَوَابٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْمَفْهُومَ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ وَلَكِنْ لَا ضَرُورَةَ إلَى هَذَا , وَقَوْلُهُ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُقْبِلُ فِي وَقْتٍ وَيُدْبِرُ فِي وَقْتٍ فَهَذَا الْحُكْمُ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمَنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ إدْبَارٌ أَصْلًا. نَعَمْ قَدْ يُقَالُ إنَّ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ