فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 460

كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ بِهِ يَتَحَقَّقُ الْمَعْنَى الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. وَاَلَّذِي قَاتَلَ شَجَاعَةً أَوْ رِيَاءً أَوْ حَمِيَّةً لَيْسَ قِتَالُهُ لِلَّهِ فَلَيْسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَهِيدًا ; لِأَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذُكِرَا فِي مَعْنَى اسْمِ الشَّهِيدِ لَيْسَا فِيهِ وَالنَّصُّ لَمْ يَرِدْ بِتَسْمِيَتِهِ وَإِنَّمَا نَحْنُ نَظُنُّهُ فِي الظَّاهِرِ شَهِيدًا لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى فَسَادِ نِيَّتِهِ فَحِينَئِذٍ الشَّهِيدُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه: أَسْأَلُكَ شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ. لَا يَكُونُ قَوْلُهُ فِي سَبِيلِكَ تَقْيِيدًا بَلْ إيضَاحًا وَيُحْتَمَلُ عَلَى بُعْدٍ أَنَّ كُلَّ قَتِيلٍ يُسَمَّى شَهِيدًا وَحِينَئِذٍ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ وَيَكُونُ ذِكْرُ السَّبِيلِ تَقْيِيدًا لَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا , وَقَدْ قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ الشُّهَدَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَشَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ وَعَكْسُهُ , وَذَكَرُوا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي الْمُقَاتِلَ رِيَاءً وَالْمُدْبِرَ وَالْغَالَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ , فَأَمَّا الْمُقَاتِلُ رِيَاءً فَلَيْسَ قِتَالُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيدٍ وَإِنْ حَكَمْنَا لَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَحْكَامِ الشَّهِيدِ , وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ شَهِيدٌ وَلَا أَجْرَ لَهُ. وَأَمَّا الْمُدْبِرُ وَالْغَالُّ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَحِبَ نِيَّتَهُمَا فِي طَلَبِ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ عَرَضَ لَهُمَا الْإِدْبَارُ وَالْغُلُولُ وَهُمَا مِنْ الْمَعَاصِي فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُمَا أَجْرُ الشَّهِيدِ وَعَلَيْهِمَا وِزْرُ الْإِدْبَارِ وَالْغُلُولِ وَسَنُعِيدُ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالشَّهِيدُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَقُتِلَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا غَيْرَ غَالٍّ فَحُكْمُهُ فِي الدُّنْيَا أَحْكَامُ الشُّهَدَاءِ لَا يُغَسَّلُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَفِي الْآخِرَةِ لَهُ أَجْرُ الشُّهَدَاءِ , وَالشَّهِيدُ فِي الْآخِرَةِ لَا فِي الدُّنْيَا: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا سَيَاتِي يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الشُّهَدَاءِ فِي الدُّنْيَا لَكِنَّ فِي الْآخِرَةِ لَهُمْ أَجْرَ الشُّهَدَاءِ , الشَّرْطُ الثَّانِي عَدَمُ الْغُلُولِ قَدْ ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَأَشَرْنَا إلَى التَّوَقُّفِ فِي أَنَّهُ شَرْطٌ لِلشَّهَادَةِ أَوْ لِحُصُولِ الْأَجْرِ عَلَيْهِمَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ الْكَامِلِ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قوله تعالى فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ {وَمَنْ يَغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قِيلَ: فِي التَّفْسِيرِ حَامِلًا لَهُ عَلَى ظَهْرِهِ. وَقَالَ تَعَالَى {أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} قِيلَ: فِي التَّفْسِيرِ أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ مِنْ تَرْكِ الْغُلُولِ وَبِالصَّبْرِ عَلَى الْجِهَادِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ بِالْكُفْرِ أَوْ بِالْغُلُولِ أَوْ بِالتَّوَلِّي عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَفِرَارِهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الْحَرْبِ. رَوَى الْبُخَارِيُّ رحمه الله مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: {قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ} الْحَدِيثَ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما وَهُوَ ابْنُ الْعَاصِ قَالَ كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كِرْكِرَةُ فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ فِي النَّارِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت