فَمِنْ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قوله تعالى {إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ , وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ , وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ الصَّفْقَتَيْنِ جَمِيعًا. بَيَانُهُ قَوْلُ الْحَسَنِ رضي الله عنه: أَنْفُسًا هُوَ خَلَقَهَا , وَأَمْوَالًا هُوَ رَزَقَهَا , وَمَعَ ذَلِكَ أَقُولُ أَيْضًا هُوَ خَالِقُ فِعْلِ الْمُجَاهِدِ فِي قُدْرَتِهِ , وَعَزْمِهِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ , وَرَغْبَتِهِ فَكُلُّ ذَلِكَ فَضْلُهُ , وَنِعْمَتُهُ , وَمِنَّتُهُ قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَبَارَكَ , وَتَعَالَى يُسْدِي عَلَى أَيْدِينَا الْخَيْرَ , وَيَمْنَحُ عَنْ أَيَادِيهِ الْجَزَاءَ , وَرُوِيَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ {الْأَنْصَارَ رضي الله عنهم حِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اشْتَرِطْ لِرَبِّك , وَلِنَفْسِك مَا شِئْت قَالَ: أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ قَالُوا: فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَا لَنَا؟ قَالَ: لَكُمْ الْجَنَّةُ قَالُوا: رَبِحَ الْبَيْعُ قَالُوا لَا نَقِيلُ , وَلَا نَسْتَقِيلُ} . وَمَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْرَابِيٌّ , وَهُوَ يَقْرَأُ {إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ , وَأَمْوَالَهُمْ} الْآيَةَ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ كَلَامُ مَنْ؟ قَالَ: كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ: بَيْعٌ , وَاَللَّهِ صَرِيحٌ لَا نَقِيلُهُ , وَلَا نَسْتَقِيلُهُ فَخَرَجَ إلَى الْغَزْوِ فَاسْتُشْهِدَ رحمه الله تعالى. فَقَوْلُهُ تَعَالَى {, وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} قَالَ هَذَا وَعْدٌ مُؤَكَّدٌ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْوَعْدَ الَّذِي وَعَدَهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ , وَعْدٌ ثَابِتٌ , وَقَدْ أَثْبَتَهُ فِي التَّوْرَاةِ , وَالْإِنْجِيلِ كَمَا أَثْبَتَهُ فِي الْقُرْآنِ. وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ رحمه الله تعالى نَاهِيك مِنْ صَفْقَةٍ الْبَائِعُ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ , وَالثَّمَنُ جَنَّةُ الْمَاوَى , وَالْوَاسِطَةُ مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم , وَفِي ذَلِكَ قِيلَ أَكْرِمْ بِهَا صَفْقَةً فَالرَّبُّ عَاقِدُهَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ مُضَرِ أَثْمَانُهَا جَنَّةٌ نَاهِيك مِنْ نُزُلٍ دَارٌ بِهَا نِعَمٌ تَخْفَى عَنْ الْبَشَرِ أَنْوَاعُ مَطْعَمِهَا مِنْ كُلِّ شَهْوَتِنَا شَرَابُهَا عَسَلٌ صَافٍ مِنْ الْكَدَرِ مِنْ كُلِّ مَا لَذَّةٍ طَابَتْ مَوَارِدُهَا , وَحُورُهَا دُرَرٌ تَزْهُو عَلَى الْقَمَرِ أَنَّى لَهَا ثَمَنٌ دُنْيَا بِهَا مِحَنٌ لَمْ يَصْفُ مَشْرَبُهَا يَوْمًا لِمُعْتَبِرِ ثُمَّ قَالَ {, وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ} ; لِأَنَّ إخْلَافَ الْوَعْدِ إنَّمَا يَطْرَأُ عَلَى الْبَشَرِ لِأَحَدِ أُمُورٍ أَوْ مَجْمُوعِهَا , وَذَلِكَ: لِبُخْلٍ أَوْ شُحٍّ خَوْفَ الْفَقْرِ أَوْ مَحَبَّةَ الِازْدِيَادِ مِنْ الشَّهَوَاتِ أَوْ لِعَجْزٍ أَوْ لِنِسْيَانٍ , وَذُهُولٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآفَاتِ , وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى خَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ. فَهَذِهِ الْآيَةُ إذَا فُهِمَتْ مَعَانِيهَا , وَحَضَرْتَ بِخُلُوِّ الْقَلْبِ , وَشُرُوطِ الِاسْتِمَاعِ لَتَالِيهَا لَا تَطْلَبُ فِي التَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ زِيَادَةً عَلَيْهَا , وَلَا انْضِمَامَ شَيْءٍ مِنْ الْمُؤَكَّدَاتِ إلَيْهَا , وَذَكَرَ بِسَنَدِهِ إلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ