عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَصْحَابُهُ رضي الله عنهم: أَشَهِيدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ , وَأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ. وَتَاوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ شَهِيدٌ فِيمَا تَنَاوَلَ مِنْ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. فَأَمَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِهَذَا فِي الدُّنْيَا يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ , لِأَنَّ الشَّهِيدَ الَّذِي لَا يُغَسَّلُ مَنْ يَصِيرُ مَقْتُولًا بِفِعْلٍ مُضَافٍ إلَى الْعَدُوِّ. وَهَذَا صَارَ مَقْتُولًا بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ , لِأَنَّهُ قَصَدَ الْعَدُوَّ لَا نَفْسَهُ , فَيَكُونُ شَهِيدًا فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ , وَيُصْنَعُ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَيِّتِ فِي الدُّنْيَا. وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ , وَالنُّفَسَاءُ شَهِيدٌ , وَالْمَرْأَةُ الَّتِي تَمُوتُ بِجُمْعٍ لَمْ تُطْمَثْ شَهِيدٌ} . يَعْنِي فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ لَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا , ثُمَّ اخْتَلَفَتْ مَشَايِخُنَا فِيمَنْ تَعَمَّدَ قَتْلَ نَفْسِهِ بِحَدِيدَةٍ أَنَّهُ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ فِي حَقِّ الَّذِي أَخْطَأَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ , لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا نَفْسَهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا , وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ مَوْضِعٍ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا , وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَمَاتَ فَهُوَ يَشْرَبُهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا} . قَالَ رضي الله عنه: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَقُولُ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَأَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ إنْ كَانَ تَابَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لقوله تعالى {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} . وَتَاوِيلُ الْحَدِيثِ فِيمَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ , لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {سِبَابُ الْمُسْلِمِ فِسْقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ} . قَالَ رضي الله عنه: وَسَمِعْت الْقَاضِيَ الْإِمَامَ (35 ب) عَلِيًّا السُّغْدِيَّ يَقُولُ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ , لَا لِأَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ , وَلَكِنْ لِأَنَّهُ بَاغٍ عَلَى نَفْسِهِ , وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْبَاغِي. 96 - وَذَكَرَ عَنْ {سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَنَّ عَامِرَ بْنَ سِنَانِ بْنَ الْأَكْوَعِ حَبِطَ عَمَلُهُ , وَكَانَ ضَرَبَ يَهُودِيًّا فَقَطَعَ رِجْلَهُ وَرَجَعَ السَّيْفُ عَلَى عَامِرٍ فَعَقَرَهُ فَمَاتَ مِنْهَا. فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ. إنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ. إنَّهُ جَاهِدٌ مُجَاهِدٌ وَإِنَّهُ لَيَعُومُ فِي الْجَنَّةِ عَوْمَ الدُّعْمُوصِ} . وَبِهِ نَقُولُ إنَّهُ مَعْذُورٌ فِيمَا أُصِيبَ بِهِ , مُثَابٌ عَلَى مَا صَنَعَ. فَإِنَّهُ جَاهِدٌ فِي قَتْلِ الْكَافِرِ مُبَالِغٌ فِي ذَلِكَ , مُصَابٌ حِينَ رَجَعَ إلَيْهِ السَّيْفُ فَعَقَرَهُ , وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ مَاتَ , فَهُوَ جَاهِدٌ صَابِرٌ , و: {إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {إنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ} .
97 -قَالَ: وَإِذَا الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ لَيْلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ تَرَى أَنَّ صَاحِبَتَهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَاقْتَتَلُوا فَأَجْلَوْا عَنْ قَتْلَى ثُمَّ عَلِمُوا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ السَّرِيَّتَيْنِ بَاشَرَتْ دَفْعًا مُبَاحًا , فَقَدْ قَصَدَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ إلَى الْأُخْرَى , وَإِنَّمَا قَتَلَتْهَا الْأُخْرَى دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ.