فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 460

مَاءِ الْبِئْرِ , أَوْ عَدَدٍ مُحَدَّدٍ مِنْ الدِّلَاءِ عَلَى مَا سَبَقَ. وَإِذَا كَانَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ اعْتَبَرُوا النَّزْحَ طَرِيقًا لِلتَّطْهِيرِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ عِنْدَهُمْ كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يُحَدِّدُوا مِقْدَارًا مِنْ الدِّلَاءِ وَإِنَّمَا يَتْرُكُونَ ذَلِكَ لِتَقْدِيرِ النَّازِحِ. وَمِنْ أَجْلِ هَذَا نَجِدُ الْحَنَفِيَّةَ هُمْ الَّذِينَ فَصَّلُوا الْكَلَامَ فِي النَّزْحِ , وَهُمْ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا عَلَى آلَةِ النَّزْحِ , وَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَجْمُهَا.

25 -فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةٌ نُزِحَتْ , وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ طَهَارَةً لَهَا. لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبِئْرِ أَنَّهُ وُجِدَ فِيهَا قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ أَصْلًا , لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ , لِاخْتِلَاطِ النَّجَاسَةِ بِالْأَوْحَالِ وَالْجُدْرَانِ. الثَّانِي: لَا تَنْجَسُ , إذْ يَسْقُطُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ , لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ أَوْ التَّطْهِيرِ. وَقَدْ تَرَكُوا الْقِيَاسَيْنِ الظَّاهِرَيْنِ بِالْخَبَرِ وَالْأَثَرِ , وَضَرْبٍ مِنْ الْفِقْهِ الْخَفِيِّ وَقَالُوا: إنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ. أَمَّا الْخَبَرُ فَمَا رَوَى مِنْ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي الْفَارَةِ تَمُوتُ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ} وَفِي رِوَايَةٍ {يُنْزَحُ مِنْهَا ثَلَاثُونَ دَلْوًا} . وَأَمَّا الْأَثَرُ فَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: يُنْزَحُ عِشْرُونَ. وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثُونَ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي دَجَاجَةٍ مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ: يُنْزَحُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ دَلْوًا. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا أَمَرَا بِنَزْحِ مَاءِ زَمْزَمَ حِينَ مَاتَ فِيهَا زِنْجِيٌّ. وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ. وَأَمَّا الْفِقْهُ الْخَفِيُّ فَهُوَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَمًا سَائِلًا وَقَدْ تَشَرَّبَ فِي أَجْزَائِهَا عِنْدَ الْمَوْتِ فَنَجَّسَهَا. وَقَدْ جَاوَرَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمَاءَ , وَهُوَ يَنْجَسُ أَوْ يَفْسُدُ بِمُجَاوِرَةِ النَّجَسِ , حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ ذَنَبُ فَارَةٍ , يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ , لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ بِلَّةٍ , فَيُجَاوِرُ أَجْزَاءَ الْمَاءِ فَيُفْسِدَهَا. 26 - وَقَالُوا: لَوْ نُزِحَ مَاءُ الْبِئْرِ , وَبَقِيَ الدَّلْوُ الْأَخِيرُ فَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ وَجْهِ الْمَاءِ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْبِئْرِ , وَإِنْ انْفَصَلَ عَنْ وَجْهِ الْمَاءِ , وَنُحِّيَ عَنْ رَاسِ الْبِئْرِ , طَهُرَ. وَأَمَّا إذَا انْفَصَلَ عَنْ وَجْهِ الْمَاءِ , وَلَمْ يُنَحَّ عَنْ رَاسِ الْبِئْرِ , وَالْمَاءُ يَتَقَاطَرُ فِيهِ , لَا يَطْهُرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَطْهُرُ. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ النَّجَسَ انْفَصَلَ مِنْ الطَّاهِرِ , فَإِنَّ الدَّلْوَ الْأَخِيرَ تَعَيَّنَ لِلنَّجَاسَةِ شَرْعًا , بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا نُحِّيَ عَنْ رَاسِ الْبِئْرِ يَبْقَى الْمَاءُ طَاهِرًا , وَمَا يَتَقَاطَرُ فِيهَا مِنْ الدَّلْوِ سَقَطَ اعْتِبَارُ نَجَاسَتِهِ شَرْعًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ. وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِ النَّجَسِ عَنْهَا , وَهُوَ مَاءُ الدَّلْوِ الْأَخِيرِ , وَلَا يَتَحَقَّقُ الِانْفِصَالُ إلَّا بَعْدَ تَنْحِيَةِ الدَّلْوِ عَنْ الْبِئْرِ , لِأَنَّ مَاءَهُ مُتَّصِلٌ بِمَاءِ الْبِئْرِ. وَاعْتِبَارُ نَجَاسَةِ الْقَطَرَاتِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ , وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِأَنْ يُعْطَى لِهَذَا الدَّلْوِ حُكْمُ الِانْفِصَالِ بَعْدَ انْعِدَامِ التَّقَاطُرِ , بِالتَّنْحِيَةِ عَنْ رَاسِ الْبِئْرِ.

27 -وَإِذَا وَجَبَ نَزْحُ جَمِيعِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ يَنْبَغِي أَنْ تُسَدَّ جَمِيعُ مَنَابِعِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت