والمراد بالترس في هذا الفصل هو أن يتخذ العدو طائفة من الناس بمثابة الترس يحمي بهم نفسه، لأنه يعرف أن خصمه بسبب محافظته على أرواح هذه الطائفة المُتترس بها لن يقدم على ضربه أو الهجوم عليه.
ومن الصور التي تستخدم في هذا العصر لهذا الغرض، ما يسمى بالدروع البشرية أو يطلق عليه رهائن الحرب، فتعمد الدولة التي أسرت رعايا خصومها إلى سجنهم في المرافق الحيوية، والمقار الاستراتيجية والوزارات وغيرها، لتتفادى بهم ضربة الخصوم، فيحجم الخصم عن ضرب مرافقها الحيوية حفاظًا على أرواح رعاياه.
وبالنسبة لامتناع جيش المسلمين عن قتل من تترس بهم، فإنه لا يلزم أن يكون الدرع البشري أو المتترس بهم من المسلمين فقط، بل إن الجيش الإسلامي مأمور باتقاء قتل معصومي الدم حتى من الكفار أمثال النساء والصبيان والشيوخ، فلو تترس الكفار برعاياهم من المعصومين أمثال النساء والأطفال والشيوخ وأهل الذمة، فإن الجيش الإسلامي مأمور بالكف عنهم إلا إذا حدث من الكف ضرر على المسلمين فالمصلحة تبيحه، وإذا كان الدرع البشري من المسلمين فالمنع أشد ولا يجوز الإقدام على ضرب العدو مع وجود الدرع من المسلمين إلا لضرورة، فخرج لنا تفصيل وهو أن الدرع إذا كان من المعصومين من الكفار لا يجوز رميهم إلا لمصلحة، وإذا كان الدرع من المسلمين فلا يجوز رميهم إلا لضرورة.
والتفريق بين الأمرين ظاهر بما جاء في الصحيحين عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة رضي الله عنهم قال مر بي النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء أو بودان وسئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم قال (هم منهم) ، ورأي الجمهور أن نساء الكفار وذراريهم لا يقتلون قصدًا ولكن إذا لم يتوصل إلى قتل الأباء إلا بإصابة هؤلاء جاز ذلك، وعندما أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك للصحابة لم يضع له ضوابط أخرى تفيد أنه لا يجيزه إلا لضرورة، بل حاجة المسلمين في الإغارة على الكفار بالليل تجيز ذلك رغم أنه صلى الله عليه وسلم في حروبه يبيت القوم حتى يطلع الفجر فإذا سمع آذانا وإلا أغار، فعلم من ذلك أنه بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم الامتناع عن الإغارة بالليل لما فيها من قتل النساء والصبيان، وجعل الهجوم بالنهار، إلا أن المصلحة تبيح ذلك.
أما لو كان المتترس بهم من المسلمين فلا يجوز ذلك بحال إلا إذا أفضى الامتناع إلى تضرر عموم المسلمين والمجاهدين بترك قتال الكفار حتى لو زهقت أرواح المسلمين، فالمسلم مأجور على فعله والمقتول يبعثه الله على نيته.