وثمانين جرحًا، حتى فتح الباب للمسلمين، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
قلت:
وقد ذكر ذلك مستقصى في أيَّام الصِّديق حين بعث خالد بن الوليد لقتال مسيلمة وبني حنيفة، وكانوا في قريب من مائة ألف أو يزيدون، وكان المسلمون بضعة عشر ألفًا فلمَّا التقوا جعل كثير من الأعراب يفرون، فقال المهاجرون والأنصار: خلِّصنا يا خالد فميَّزهم عنهم وكان المهاجرون والأنصار قريبًا من ألفين وخمسمائة، فصمَّموا الحملة وجعلوا يتدابرون، ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة بطل السِّحر اليوم فهزموهم بإذن الله وألجأوهم إلى حديقة هناك وتسمى حديقة الموت، فتحصَّنوا بها فحصروهم فيها ففعل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك - وكان الأكبر - ما ذكر من رفعه على الأسنَّة فوق الرِّماح حتَّى تمكن من أعلى سورها، ثمَّ ألقى نفسه عليهم ونهض سريعًا إليهم، ولم يزل يقاتلهم وحده ويقاتلونه حتَّى تمكَّن من فتح الحديقة ودخل المسلمون يكبِّرون، [1]
وفي إقرار الصحابة لهذا الفعل دليل على جواز كل عمل جهادي حتى لو كانت الهلكة فيه محققة.
والأمثلة كثيرة جدا في هذا الباب
27 -وفي البداية والنهاية لابن كثير [2] :
وقال محمَّد بن إسحاق: عن صالح بن كيسان إنَّ أبا بكر كتب إلى خالد أن يسير إلى العراق فمضى خالد يريد العراق حتى نزل بقريات من السَّواد يقال لها: بانقيا، وباروسما، وصاحبها حابان فصالحه أهلها.
قلت: وقد قتل منهم المسلمون قبل الصُّلح خلقًا كثيرًا، وكان الصُّلح على ألف درهم، وقيل: دينار في رجب، وكان الذي صالحه بصبهري بن صلوبا، ويقال: صلوبا بن بصبهري، فقبل منهم خالد وكتب لهم كتابًا، ثمَّ أقبل حتى نزل الحيرة فخرج إليه أشرافها مع بيصة بن إياس بن حيَّة الطَّائيّ وكان أمَّره عليها كسرى بعد النُّعمان بن المنذر، فقال لهم خالد: أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام فإن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين لكم ما لهم وعليكم ما عليهم، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم.
فقال له قبيصة: مالنا بحربك من حاجة بل نقيم على ديننا ونعطيكم الجزية.
(1) - البداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 7 / ص 335)
(2) - (ج 7 / ص 466) و (ج/ص:6/ 378) و تاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 183)