رمضان فرصة لتربية الرحمة في النفوس، حتى تعيش الجسد الواحد الذي يؤلم بعضَه ألمُ بعض، إنه من سنن الحياة أن الرحمة تظهر عند الإحساس بالألم، وأن الطغيان ينشأ عند الغفلة مع الأمن والغنى، كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءاهُ اسْتَغْنَى [العلق:6، 7] ، وهذا بعض السر الاجتماعي في الصوم، إذ يبالغ المسلم أشد المبالغة ويدقق كل التدقيق في منع الغذاء وشبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدةً آخرها آخر الطاقة، وهي طريقة عملية لتربية الرحمة في النفس، ولا طريق غيرها إلا النكبات والكوارث التي تحل بالناس،"الصوم حرمان مشروع وتأديب بالجوع وخشوع لله وخضوع، لكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة، ويحض على الصدقة، ويسن خِلال البر، حتى إذا جاع من أَلف الشبع وعرف المترف أسباب المتع عرف الحرمان كيف يقع، وألم الجوع إذا لذع".
اسأل نفسك: كيف سيكون صيام المشردين؟! وهل سيصومون أم سيفطرون؟! وعلى أي شيء سيفطرون؟! وفي الحديث: (( لا تُنزع الرحمة إلا من شقي ) )رواه أبو داود وصححه الألباني.
رمضان فرصة لتربية النفوس وتقوية الإرادة فيها والارتفاع بها إلى سماء المجد ودرجات العز والروح.
إن رؤية هلال الصيام في السماء لهو إشارة بالغة لبدء معركة الإرادة وجولة العزيمة، فالصوم يدرب المسلم على أن يمتنع باختياره عن شهواته وملذاته، في إرادة قوية ثابتة، لا يَضِيرُها كيد الشيطان، ولا تعدو عليها عوادي الشهوة، فانظر أي قانون من القوانين يحقق ذلك؟! وأي أمة من الأمم تجد ثلاثين يومًا من كل سنة قد فُرضت فرضًا لتربية إرادة شعبها ومزاولة فكرة نفسية واحدة؟!
ألا ما أعظم الإسلام، وما أروع الصيام، لو قيل لبعض الناس: دعوا عنكم الدخان لاستصعبوه وأحسوا العنت بفقده، فما بالهم اليوم دون أي نداء ودون إلحاح قد تركوه.