محمد عبد الكريم
الخطبة الأولى
اللهم إنا نسألك القبول في الصيام والقيام، اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقياك، اللهم إنا نسألك الرشد في الأمر كله، اللهم إنا نسألك الخير العميم في شهر القرآن، اللهم إنا فقراء إليك فلا تردنا خائبين.
أما بعد: إخوة الإيمان فقد عزم شهر رمضان على الرحيل، ولم يبقى منه إلا القليل، لقد عزم شهر الصيام على الرحيل، فمن كان قد أحسن فيه فعليه بالتمام؛ فإن الأعمال بالخواتيم كما صح ذلك عن نبينا، ومن كان قد فرط فيه فليختمه بالحسنى؛ فالعمل بالختام، فتزودوا منه ما بقي من الليالي، واستودعوه عملًا صالحًا يشهد لكم به عند الملك العلام.
سلام من الرحمن كل أوان *** على خير شهر قد مضى وزمان
سلام على شهر الصيام فإنه *** أمان من الرحمن أي أمان
فإن فنيت أيامك الغر بغتة *** فما الحزن من قلبي عليك بفان
كيف لا تجري للمؤمن على فراقه دموع وهو لا يدري هل بقي في عمره لديه رجوع، كم مات أناس قبل أن يدركوا شهر رمضان.
تذكرت أيام مضت وليالي خلت *** فجرت من ذكرهن دموع
ألا لها من الدهر عودة *** وهل لي إلى يوم الوصال رجوع
أين حرقة المجتهدين في نهاره؟ أين قلق المتهجدين في أسحاره، إذا كان هذا حال من ربح فيه، فكيف حال من خسر في أيامه ولياليه؟ ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه وقد عظمت فيه مصيبته وجلّ عزاؤه؟ ماذا ينفعه البكاء وقد ضيع الليالي في اللهو واللعب؟ ماذا ينفعه البكاء وقد كان يتسكع في الأسواق، وكان يجلس مع الأصحاب بعيدًا عن ذكر الله - تعالى -، والتراويح تصلى، والناس يتلون كتاب الله - تعالى -، ماذا ينفعه البكاء؟ لا ينفعه البكاء؛ لأن اليوم الذي مضى لا يعود يقول - سبحانه وتعالى - عن النادمين يوم القيامة أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير.