المرتكز الثاني هو تحويل قضية الإيمان من أن تكون يقينًا في القلب يصدّقه العمل إلى أن تصبح مجرّد كلام يطلقه اللسان. والتشدّد في كل خطأ في اللسان يتعلّق بفروع العقيدة وإطلاق التكفير بناء عليه دون البحث عن نيّة صاحبه، كل ذلك في مقابل عدم الاهتمام بالعمل سواء كان على نطاق الفرد أو على نطاق الجماعة. فكثير من المعاصي تعتبر من قبيل اللمم مما يشجّع الشباب المسلم على الوقوع فيها، كما أن السعي إلى تطبيق الأحكام الشرعية على الأمّة كلّها لم يعد مطلوبًا انطلاقًا من فكرة عدم تكفير من لم يحكم بما أنزل الله وأن الكفر الوارد في الآيات الكريمة حول من لم يحكم بما أنزل الله إنما هو فسق وليس كفرًا مخرجًا من الملّة كما يقول المفسّرين.
والفتنة هنا ليست في اعتماد هذا الرأي وهو رأي أكثر المفسّرين، ولكن الفتنة القائمة هي في الانطلاق من هذا الرأي لإعلان تكفير الدعاة إلى الله والحركات الإسلامية التي تسعى للحكم بما أنزل الله في مقابل تبرير أعمال الحكّام غير الملتزمين بتطبيق الشريعة وإعلان التأييد المطلق لهم في مقابل إعلان الحرب على الإسلاميين.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الحركات الإسلامية عندما تسعى لتطبيق شريعة الله وتطالب الحكّام بذلك فهي لا تبني مواقفها منهم على هذه القضية رغم أهمّيتها، وإنما تنظر إلى الحكّام من خلال مجموع قضايا الأمّة الكبرى وخاصّة قضية فلسطين، وهي تفرّق بين حكّام مستسلمين متآمرين مع العدو الصهيوني، وبين حكّام يحرصون على الحقوق المقدّسة ولو كانوا يتعاملون بواقعية مع الظروف الإقليمية والدولية.