المرتكز الثالث هو اعتبار المبادئ الإسلامية مجموعة نظريات كلامية منطقية تقف عند ظواهر النصوص ولا تتعامل مع الواقع الإنساني الذي تحرّكت من خلاله هذه النصوص من أجل إقامة مجتمع إسلامي أمثل. إن محاولة الفصل بين النص المقدّس والواقع البشري الذي أنزل النص لإصلاحه، إن هذا الفصل يؤدي إلى غياب الحقائق الإسلامية وإلى طرح مجموعة من النصوص وهي أقوال العلماء وفهمهم وتفسيرهم للنص المنزل على ضوء واقعهم بحيث تأخذ أقوال هؤلاء العلماء مرتبة النصوص المنزلة وتحاول أن تُطلَق في الواقع المعاصر ولو لم تكن لها أية علاقة بهذا الواقع.
إننا نكون في هذه الحالة أمام حركة كلامية تهدف إلى إلزام المسلمين في هذا العصر بما قاله بعض العلماء في عصور سابقة بما ينسجم مع واقعهم. وهذا يؤدي إلى تكرار الماضي في الواقع والمستقبل على الصعيد الديني، بينما ينطلق الواقع البشري في خط آخر مما يؤدي عمليًا إلى فصل الدين عن هذا الواقع وإلى اعتباره مجموعة نظريات كلامية وفلسفات غير واقعية.
ومما يزيد في هذه الفتنة القائمة أن الذين يتجهون في هذا الخط ويكفرون الدعاة والعلماء والحركات الإسلامية بدون استثناء، ويفتعلون المعارك الوهمية بين المسلمين حول قضايا قديمة أثيرت في مراحل زمنية معيّنة وتجاوزها المسلمون بعد ذلك، إن هؤلاء يعيدون طرح هذه القضايا ليشغلوا الناس بها عن واقعهم المر الناتج عن غياب الشريعة الإسلامية عن واقعهم المُعاش، وعن تسلّط النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة على الأمّة العربية والإسلامية في محاولة لإذلالها ونهب خيراتها واستمرار تمزيقها.