وإنما كان يعتكف النبي في العشر التي يطلب فيها ليلة القدر، قطعا لأشغاله، وتفريغا لباله، وتخليًا لمناجاة ربه، وذكره ودعائه، وكان يحتجر حصيرا يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم، ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد لئلا يترك به الجمع والجماعات، فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات ينهى عنها.
فمعنى الاعتكاف وحقيقته، قطع العلائق عن الخلائق، للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال.
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي قالت: (( وإن كان رسول الله ليدخل رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل إلا لحاجة إذا كان معتكفا ) ) ( [8] ) .
وفسره الزهري بالبول والغائط، وقد اتفق العلماء على استثنائهما واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، والجمهور على أنه لا يكره في المسجد، وعن مالك تكره فيه الصنائع والحرف حتى طلب العلم.
ومن شرف هذه العشر عباد الله، أن ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر في وتر منها، قيل: في ليلة إحدى وعشرين، وقيل: في خمس وعشرين، وقيل: في سبع وعشرين وهو أصحها وأشهرها دليلا، وقيل لا يبعد أن تكون ليلة القدر دائرة بين أوتار العشرة وليست في ليلة منها ولا تخرج عنها.
وحكى ابن كثير هذا الوجه عن مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وقال: وهو الأشبه، قال الله عز وجل: إنا أنزلناه في ليلة القدر % وما أدراك ما ليلة القدر % ليلة القدر خير من ألف شهر % تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر % سلام هي حتى مطلع الفجر [سورة القدر] .