نعم أيها الأخوة، الدعاءَ الدعاءَ، عُجُّوا في عشركم هذه بالدعاء؛ فقد قال ربكم عز شأنه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] . أتعلمون من هؤلاء العباد؟! إن الخلائق كُلَّهم عبادُ الله، و لكنَّ هؤلاء عبادٌ مخصوصون، إنهم عُبّاد الدعاء، عُبادُ الإجابة، إنهم السائلون المتضرعون مع عظم رجاءٍ وفي رغبة وإلحاح، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ.
إنَّ للدعاءِ ـ أيها الإخوةُ ـ شأنًا عجيبًا و أثرًا عظيمًا في حسن العاقبة وصلاحِ الحال و المآل والتوفيقِ في الأعمال والبركةِ في الأرزاق. أرأيتم هذا الموفق الذي يلجأ إلى الله في كل حالاته ويفزعُ إليه في جميع حاجاته؟! يدعو ويُدعى له، نال حظه من الدعاء بنفسه وبغيره، والداه الشغوفانِ وأبناؤه البررةُ والناس من حوله كلهم يحيطونه بدعواتهم، أحبه مولاه فوضع له القبول، فحسن منه الخُلُق، وزان منه العمل، فامتدت له الأيدي وارتفعت له الألسن تدعو له وتحوطه، ملحوظٌ من الله بالعناية والتسديد وإصلاح الشأن مع التوفيق. أين هذا من محرومٍ مخذولٍ لم يذق حلاوة المناجاة، يستنكف عن عبادة ربه ويستكبر عن دعاء مولاه، محرومٌ سدَّ على نفسه باب الرحمة، واكتسى بحجب الغفلة.
أيها الإخوة، إن نزعَ حلاوةِ المناجاةِ من القلب أشدُّ ألوان العقوبات والحرمان، ألم يستعذ النبي من قلب لا يخشع وعين لا تدمع ودعاء لا يسمع؟!
إن أهل الدعاء الموفقين حين يعُجون إلى ربهم بالدعاء يعلمون أن جميع الأبواب قد توصد في وجوههم إلا بابًا واحدًا هو بابُ السماء، باب مفتوح لا يغلق أبدًا، فتحه من لا يرد داعيًا ولا يُخيِّب راجيًا، فهو غياثُ المستغيثين وناصر المستنصرين ومجيب الداعين.