أيها المجتهدون، يجتمع في هذه الأيام أوقات فاضلة وأحوال شريفة: العشرُ الأخيرة، جوفُ الليل من رمضان، والأسحارُ من رمضان، دبُرُ الأذان والمكتوبات، أحوالُ السجود، وتلاوةُ القرآن، مجامعُ المسلمين في مجالس الخير والذكر، كلها تجتمع في أيامكم هذه، فأين المتنافسون في هذه العبادة العظيمة؟! ألظّوا بالدعاء رحمكم الله، لا تسأموا ولا تعجزوا، ولا تستبطئوا الإجابة، فيعقوب عليه السلام فقد ولده الأولَ ثم فقد الثاني في مددٍ متطاولة، مازاده ذلك بربه إلا تعلقًا: عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:83] ، ونبي الله زكريا عليه السلام كبرت سنة واشتعل بالشيب رأسه، ولم يزل عظيم الرجاء في ربه حتى قال محققًا: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيًّا [مريم:4] . لا تستبطىء الإجابة يا عبد الله؛ فربك يحب تضرعَك و يحب صبرَك ويحب رضاك بأقداره، رضًا بلا قنوط، وقد قال: (( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي ) )متفق عليه.
أيها المسلمون، أيامكم هذه من أعظم الأيام فضلًا وأكثرِها أجرًا، تصفو فيها لذيذ المناجاة، وتسكب فيها غزير العبرات، كم لله فيها من عتيق من النار، وكم فيها من منقطع قد وصلته توبته. المغبون من انصرف عن طاعة الله، والمحروم من حُرِم رحمة الله، والمأسوف عليه من فاتت عليه فُرص الشهر وفرط في فضل العشر، وخاب رجاؤه في ليلة القدر، مغبونٌ من لم يرفع يديه بدعوة، ولم تذرفْ عينُه بدمعة، ولم يخشع قلبه لله لحظة.
أيها المسلمون، لقد شرع الله لكم في ختام هذا الشهر المبارك أعمالًا تفعلونها، من ذلك إخراج زكاة الفطر، وتسمى صدقة الفطر، ويقال للمخرَج: فطرة، وهي المقصودة في قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى [الأعلى:14] . وقد أضيفت إلى الفطر لأنها تجب بالفطر من رمضان، وهي صدقة عن البدن والنفس.