يُقَالُ هَذَا الكَلامُ ـ أَيُّها المُسلِمُونَ ـ وَنحنُ قَد مَرَرْنَا بِمَوسِمٍ عَظِيمٍ وَشَهرٍ كَرِيمٍ، مَوسِمِ تَعَبُّدٍ وَتَدَرُّبٍ عَلى صَالحِ العَمَلِ، مَوسِمِ تَوبَةٍ وَأَوبَةٍ وَرُجُوعٍ، وَشَهرِ بِرٍّ وَتَقَرُّبٍ وَتَزَوُّدٍ، وَقَد ثَبَتَ لِكَثِيرٍ مِنَّا فِيهِ أَنَّهُ متى مَا أَرَادَ وَعَزَمَ وَأَصَرَّ على نَفسِهِ وَأَخَذَهَا بِالجِدِّ فَإِنُّهُ قَادِرٌ بِإِذنِ اللهِ على أَن يُقَدِّمَ لِنَفسِهِ وَلأُمتِهِ خَيرًا كَثِيرًا وَعَطَاءً وَاسِعًا، لَكِنَّ السُّؤَالَ الذي يَبرُزُ وَقَد خَرَجَ رَمَضَانُ وَوَلَّى: هَل نحنُ رَمَضَانِيُّونَ وَقتِيُّونَ، أَم رَبَّانِيُّونَ مُستَقِيمُونَ؟ لِيَنظُرْ كُلٌّ مِنَّا فِيمَا مَضَى مِن عُمُرِهِ وَأَيَّامِ دَهرِهِ، وَلْيَحكُمْ على نَفسِهِ بِنَفسِهِ، وَإِنَّنَا لَو صَدَقَنَا مَعَ أَنفُسِنَا ـ وَاللهُ المُستَعَانُ ـ لَوَجَدَنَا كَثِيرًا مِنَّا رَمَضَانِيِّينَ وَقتِيِّينَ، ننشَطُ في رَمَضَانَ وَنُنَوِّعُ الطَّاعَاتِ، فَإِذَا خَرَجَ تَكَاسَلنَا وَتَرَاجَعنَا، فَكَأَنَّنا لم نُحِسَّ لِلأَعمَالِ الصَّالحةِ بِلَذَّةٍ فَنُدِيمَهَا، وَكَأَنَّنَا لم نَجدْ لِلطَّاعَاتِ انشِرَاحًا في صُدُورِنا فَنَستَمِرَّ عَلَيهَا، وَذَلِكَ مُنذِرُ خَطَرٍ وَمُؤَشِّرُ عَدَمِ إِتقَانٍ لِلعَمَلِ، وَإِلاَّ فَإِنَّ مَن ذَاقَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ وَخَالَطَت بَشَاشَتُهُ قَلبَهُ لم يَزَلْ في ازدِيَادِ مِنَ الخَيرِ حتى يَلقَى رَبَّهُ، ولم يَزَلْ نَشَاطُهُ في تَوَسُّعٍ حتى يَأتِيَهُ اليَقِينُ، قال ابنُ القَيِّمِ رحمه اللهُ: وَسمِعتُ شَيخَ الإِسلامِ ابنَ تَيمِيَّةَ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ يَقُولُ:"إِذَا لم تَجِدْ لِلعَمَلِ حَلاوَةً في قَلبِكَ وَانشِرَاحًا فَاتَّهِمْهُ؛ فَإِنَّ الرَّبَّ تعالى شَكُورٌ، يَعني أَنَّهُ لا بُدَّ أَن يُثِيبَ العَامِلَ عَلَى عَمَلِهِ في الدُّنيَا مِن"