أَيُّها المُسلِمُونَ، إِنَّ اللهَ سُبحانَهُ حِينَ خَلَقَنَا وَأَوجَدَنَا على هَذِهِ الأَرضِ وَاستَخلَفَنَا فِيهَا فَإِنما أَوجَدَنَا لِتَحقِيقِ غَايَةٍ عَظِيمَةٍ وَكَلَّفَنَا بِمُهِمَّةٍ شَرِيفَةٍ، مَن سَعَى إِلَيها وَجَعَلَهَا هَمَّهُ وَغَايَةَ قَصدِهِ أَفلَحَ وَنجَحَ سَعيُهُ وَفَازَ، وَمَن تَشَعَّبَت بِهِ السُّبُلُ وَنَكَصَ عَنهَا وَضَلَّ طَرِيقَهَا لم يُبَالِ اللهُ بِأَيِّ الأَودِيَةِ كَانَ هَلاكُهُ، وَتِلكَ المُهِمَّةُ هِيَ عِبَادَتُهُ سبحانَهُ وَتَوحِيدُهُ وَالعَمَلُ بِطَاعَتِهِ وَالسَّيرُ فِيمَا يُرضِيهِ وَالحَيَاةُ لهُ وَالمَوتُ في سَبِيلِهِ، قال سُبحانَهُ: وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونِ .
وَإِنَّ مَا أَصَابَ الأُمَّةَ اليَومَ مِن مُصِيبَاتٍ وَنَكَبَاتٍ وَمَا بُلِيَت بِهِ مِن فَسَادٍ وَقِلَّةِ بَرَكَاتٍ وَمَا انتَشَرَ فِيهَا مِن شُرُورٍ وَنَقصٍ في الأَموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ لَمَرَدُّ كُلِّ ذَلِكَ إلى أَنَّ النَّاسَ قَصَّرُوا في عِبَادَةِ مَولاهُم، وَتَعَدَّدَت هُمُومُهُم في دُنيَاهُم، وَغَفَلُوا عَن أَمرِ أُخرَاهُم، فَوُكِلُوا إلى أَنفُسِهِم، فَتَجَهَّمَهُمُ العَدُوُّ وَهَانُوا على النَّاسِ، وَلم يَدرُوا مِن أَيِّ السُّبُلِ لَحِقَتهُمُ التَّعَاسَةُ، قال: (( مَن جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنيَاهُ، وَمَن تَشَعَّبَت بِهِ الهُمُومُ في أَحوَالِ الدُّنيَا لم يُبَالِ اللهُ في أَيِّ أَودِيَتِهَا هَلَكَ ) )، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( تَعِسَ عَبدُ الدِّينَارِ وَعَبدُ الدِّرهَمِ وَعَبدُ الخَمِيصَةِ، إِن أُعطِيَ رَضِيَ، وَإِن لم يُعطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلا انتقشَ ) ).