قال الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: فالوقت منقضٍ بذاته منصرم بنفسه، فمن غفلَ عن نفسه تصرمت أوقاته وعظم فواته واشتدت حسراته، فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفَوت مقدار ما أضاع، وطلب الرجعى فحيل بينه وبين الاسترجاع، وطلب تناول الفائت؟! وكيف يُرد الأمس في اليوم الجديد؟! لا، وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [سبأ:52] ، ومنع مما يحبه ويرتضيه، وعلم أن ما اقتناه ليس مما ينبغي للعاقل أن يقتنيه، وحيل بينه وبين ما يشتهيه.
فيا حسراتٌ ما لي إلى ردِّ مثلها ... سبيلٌ ولو رُدّت لهانَ التحسُّرُ
والواردات سريعة الزوال، تمر أسرع من السحاب، وينقضي الوقت بما فيه، فلا يعود عليك منه إلا أثره وحكمه، فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك، فإنه عائد عليك لا محالة، لهذا يقال للسعداء في الجنة: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ [الحاقة:24] ، ويقال للأشقياء المعذبين في النار: ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ [غافر:75] .
أيها الإخوة الفضلاء، لقد مرَّ على هذا العالم أقوام عرفوا أهمية الوقت، وأدركوا قيمته، فعظموه غاية التعظيم، وأرخصوا دونه كل المحاب والملاذ. عرفوا أن الوقت هو أنفس اللذائذ وأحسن الطيبات، عرفوا أن الوقت نعمة جليلة تأبى التلطخ بالملاهي والقاذورات، فجعلوا منه نديًا للخيرات والقربات.
وسوف أنقل لكم أقوالهم وأخبارهم وآثارهم في تعظيم الوقت وحراسته من العابثين واستغراقه في النافع المفيد. وإن من تمام العقل عندهم ورشاده عمارة الوقت بطاعة الله، وكل من أضاع وقته زهدوا فيه وترحّموا على عقله وصوابه.
ليس عندهم في حياتهم مجال للسفاهات أو التعرف على دقائق الأمور، عرفوا الحق فأخذوه بقوة، وتقلدوه على حزمٍ واجتهاد، لم يشمت بهم الكسل، ولم يعرفهم العجز والخور، فلله درهم.