وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يترك أحدًا من أهله يستطيع القيام للعبادة والسهر للإحياء، والقوة على ذلك إلا أيقظه، ذكر في فتح الباري: روى الترمذي ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت أم سلمة:"لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدًا من أهله يطيق القيام إلا أقامه"؛ ولذا قال الثوري: أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويجتهد فيه، وينهض أهله ووالده إلى الصلاة إن طاقوا ذلك، فهو - صلى الله عليه وسلم - يجدُّ للعبادة في هذا الشهر أكثر من غيره من الشهور ويجتهد في العشر الأخيرة ما لم يجتهده في العشرين الأولى منه، ففي المسند عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخلط العشرين بصلاة ونوم فإذا كان العشر شمَّر وشد المئز"فيسهر ليله، ويطوي فراشه ويودع النوم - وإن كان النوم في جميع ليالي عمره قليلًا - ويلزم من يطيق من أهله ذلك معه.
فمن رغب في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه أن يجتهد في قيام ليالي العشر الأخيرة من رمضان، ويوقظ أهله ليقوموا معه، ويحاول قدره أن يعتزل النساء ويجتهد في العبادة، ففي هذه الليالي ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم الخير كله.
وقد ذهب ابن تيمية وجمهور من العلماء إلى أن هذه الليالي الأخيرة من رمضان هي أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، رغم ما في عشر ذي الحجة من الأيام الفاضلة: كيوم التروية ويوم عرفة وسواهما، وليلة القدر التي فيها العشر الأواخر من رمضان حظ الأمة الإسلامية فيها أوفر من حظِّهم في ليلة الإسراء والمعراج؛ لأن ليلة الإسراء والمعراج مكرمة ومعجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وليلة القدر مكرمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأمته من بعده.