فاتقوا الله أيها الصائمون. يا من ابتلي بمشاهدة هذه المحرمات، إننا نخاطب الإيمان الذي في قلوبكم ونخاطب الصيام الذي تصومون أن تتقوا الله جل وتعالى وأن يستحي الواحد منا من ربه فلا يعصيه ويخالفه وهو صائم أو مفطر، ولا يعصيه بنعَمِه التي أنعمها عليه، فهل هذا شكرٌ لله أن بلّغك رمضان حين حال الموت بين البعض وبين بلوغهم رمضان فماتوا قبل رمضان فلم يدركوه؟!
يا عبد الله، يا من أيام عمره في حياته معدودة، يا من عمره يقضى في الساعة والساعة فيما لا فائدة منه، يا كثير التفريط في قليل البضاعة، يا شديد الإسراف، يا قوي الإضاعة، كأني بك عن قليل ترمى في جوف قاعة مسلوبًا لباس القدرة وبأس الاستطاعة، وجاء منكر ونكير في أفظع الفظاعة، كأنهما أخوان من الفظاظة من لبان الرضاعة، وأمسيت تجني ثمار هذه الزراعة، وتمنيت لو قدرت على لحظةٍ لطاعة، وقلت:"ربّ ارجعون"وما لك كلمةٌ مطاعة، يا متخلّفًا عن أقرانه قد آن تلحق الجماعة، وتعلن التوبة عن تلك الآثام هذه الساعة.
أيها المسلمون الصائمون، إننا نخاطب الإيمان الذي في قلوبكم أن تحفظوا نعمة البصر ولا تطلقوها في النظر إلى ما حرم الله، فإن النظر سهمٌ من سهام إبليس. إن النظر بمنزلة الشرارة في النار، ترمَى في الحطب اليابس، فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه.
كل الحوادث مبدؤها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرةٍ فعلت في قلب صاحبها ... فعل السهام بلا قوسٍ ولا وتر
والمرءُ ما دام ذا عينٍ يقلبها ... في أعين الغيد موقوفٌ على الخطر
يسرُّ مقلتَه ما ضرّ مهجتَه ... لا مرحبًا بسرورِ عاد بالضرر