أيُّها الأحِبَّة: النفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها , وأحمدِها عاقبة , فمن عَلَتْ همته وخشعت نفسه اتَّصف بكل خلُقٍ جميلٍ , ومن تلمح حلاوة العافية هانت عليه مرارة الصبر , ومرارات المبادئ حلاوات العواقب , ومن لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة . [من كلام ابن القيم رحمه الله] .
أيُّها المؤمنُون: الهمَّة العالية والرغبة في الوصول إلى معالي الأمور لها أسبابٌ تعين على اكتسابها منها: التربية الصالحة , والتشجيع على الخير , ولزوم الدعاء , والإقبال على القرآن العظيم , والتَّجافي عن التَّرف والنعيم , وتنظيم الوقت , والتَّوازن في الأمور , واستشارة العقلاء , وتصحيح الأخطاء , وقبول النصيحة , وإخلاص العمل لله , والإعراضِ عن الجاهلي ,ن ومقابلةُ الإساءة بالإحسان , وتقصير الأمل , وتذكُّر الآخرة , والصبر على المشقّة , والتَّرف عن الدَّنايا . يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (إنَّ لي نفسًا توَّاقة لم تزل تتوقُ إلى الإمارة , فلما نلتُها تاقَت إلى الخلافة , فلما نلتُها تاقت إلى الجنة) [عيون الأخبار 1/231] .
ولْيَعلم - العاقل - أنه مهما بذل نفسه في سبيل الخير والطَّاعة , والعلم والعبادة فإن هذا لا يضرُّها أبدًا بل هو غاية نفعها , وهذه الأبدان سوف تفنى والأعمار تُطوى , ثم يُنشئ الله عباده نشأةً للبقاء لا للفناء , فعند ذلك يُسَرُّ العاملون , ويفرح المؤمنون , وعند ذلك أيضاٍ يخسر المُبطلون ويقولون: {يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} (31) سورة الأنعام .