المؤمنون الصادقون لا يدنِّسون أنفسهم بالدَّناءات ومحقِّرات الأمور , ولا يُريقون ماء وجوههم في سبيل الحصول على عرضٍ من أعراض الدُّنيا , ولا يفنون أعمارَهم ويبدِّدون طاقاتهم بحثًا عن منصبٍ أو جاهٍ سرعان ما يزول , بل يرون الآخرة هي أولى ما إليه يُسعى , فنعيمها خيرٌ وأبقى , وملكها لا ينقطع ولا يبلى , يقول تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (16-17) سورة الأعلى . وإذا سمعت قوله تعالى في وصف بعض نعيم الجنة: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} (20) سورة الإنسان . فما ظنُّك بنعيمٍ ومُلكٍ وصفه العظيم سبحانه بأنه كبير , وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لَمَوْضِعُ سوطِ أحدِكم في الجنَّة خيرٌ منَ الدُّنيا ومَا فيها , ولَغَدْوَةٌ في سبيلِ الله أو روحةٌ خيرٌ منَ الدُّنيا ومَا فيها ) ). ومن هنا فكلما عَلَتْ همة الإنسان كانت مطالبهُ أسمى , وصغُرت في عينه مطالب الدنيا فلا يتعلق بها كثيرًا إلا بمقدار الحاجات .
قيل لبعضهم: فلانٌ بعيدُ الهمة . فقال: إذًا ليس له غايةٌ دون الجنة .
يقول ابن حزم رحمه الله: (لا تبذِل نفسك إلا في ما هو أعلى منها , وليس ذلك إلا في ذات الله عزَّ وجل في دعاء إلى حقّ , وفي حماية الحريم , وفي رفع هوان لم يوجبه عليك خالقك - تعالى - , وفي نصر مظلومٍ , وباذل نفسِهِ في عرض دنيا كبائع الياقوت بالحصى) .
وفي الحديث: (( إنَّ اللهَ يحبُّ معالِيَ الأمورِ وأشرافَها , ويكرهُ سفَاسِفها ) ). [صححه الألباني] .