وفيما جاء في سورة الجاثية من ذكر تفضيل الله لبني إسرائيل على العالمين.. يعقِّب عليه القرآن: بأنّهم قد حَرَّفوا ما فُضِّلوا به وهو كتاب الله الذي أُنزل على موسى، وحرَّفوه بعد علم وعن قصد. ولذلك سيَنالُهم جزاء ما حرَّفوا. يقول الله ـ تعالى ـ: (ولَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إسْرائيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوّةَ ورَزقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ"وهذه كلها من نعم الله"وفَضَّلْناهُمْ عَلَى العالَمينَ"أي بسبب ما أوتوا من كتاب وحكم ونُبوّة"وآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأمرِ"أي آتيناهم بأماراتٍ واضحة لا تقبل التأويل والتحريف بحال: سواء فيما أُنزل بالتوراة، أو فيما جاء جزاء لهم"فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ"أي فما انشقُّوا على أنفسهم في التفسير والتأويل، وما انحرف منهم مُنحَرِف، وما عصَى مَن عصَى، وما كفَر مَن كفَر إلا وهو على علم تامٍّ بما أَوَّلَ فيه، وانحَرَف عنه، وعصَى فيه، وكفَر به"إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ"أي بين المختلفين والمنشقِّين من المنحرفين والكافرين من بني إسرائيل"يَوْمَ القِيامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفونَ) . ثم اتَّجهت السورة إلى الرسول ـ عليه السلام ـ لتحذِّره من السلوك مسلك بني إسرائيل، فتقول: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَريعةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا ولاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمينَ"الكافرين والمنحرفين"بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ) (الجاثية: 16ـ19) .