ويستهويه ويسير في طريقه، والذي ينجح من الناس في الاختبار والابتلاء هو الذي يؤثِر الخيرَ ويُعرِض عن الشَّرِّ. فالإنسان الذي يؤمن بالله وهدايته يكون قد اتَّجه إلى الله ونجح في اختبار الله إيّاه. والإنسان الآخر الذي يَكفر بالله وبرسالة رسوله يكون أخفَقَ في الاختبار والابتلاء، أو قد اتَّبع الشيطان، أو آثر الشَّرَّ على الخير.
ولأنَّ هوى النفس جزءٌ منها، ولأنَّ شهوة الإنسان ليستْ خارجة عن نطاق النفس الإنسانيّة فالإنسان الذي يتغلّب هوى النفس عليه، والذي تُسيطر شهوته على سلوكه تكون نفسه أمّارة بالسُّوء. ولا ينجِّي نفسه من غلبة الهوى والشَّهوة عليها اتباع رسالة الله: (ومَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارةٌ بِالسُّوءِ إلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (يوسف: 53) . وهنا الناس صِنْفان: صنف يَطغَى بشهوته وهواه، وصِنف آخر يخشَى ربَّه ويَنهى نفسَه عن الهوى: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى. وآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى. وأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى. فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى) (النازعات: 37 ـ 41) . ولأنَّ الشيطان واحد وهو إبليس، ولكنْ له أتباعٌ كثيرون من الإنس والجِنِّ مَعًا يأخذون اسم الشياطين كذلك، أي أتباع ظاهرون وأتباع غير ظاهرين، كان هوى النفس في الإنسان وكانت شهوته في ذاته من أنصار إبليس، تدفع إلى الإغراء والفِتْنة. والوَسواس الخَنّاس الذي يُوسوِس في صدور الناس، إمّا أن يكون هوى النفس وشهوتها وعندئذٍ يكون مَستورًا لا يُرى، فهو من الجِنّة، وإمّا أن يكون معروفًا خارجًا عن الذات نفسها فيكون من الناس. وهذا معنى قوله تعالى: (مِنْ شَرِّ الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ. الذِي يُوسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ. مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ) (الناس: 4 ـ 6) . أي من هوى النَّفس أو من أناس آخرين والطَّرفان من أنصار إبليس.