إن السعي في الحياة الدنيا لتحصيل الرِّزق فيها، وإن مباشرة الاستمتاع بمُتعتها المادِّيّة، وإن التفتيش في الأرض وفي جوِّها وسمائها وبِحارِها وجبالها ووِهادها، وإنَّ السير في مسالكها للوُقوف عليها ولتسخيرها.. كل ذلك هو الذي يُبرِز الإنسان العابد ويُحَدِّد مدى تأثُّره بالعبادة كمجال تجربة، ومدى صلاحيته في ارتباطه وعلاقته بالآخرين.
ويُروَى هذا الحديث عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"أمَا والله. إنِّي لَأَخْشاكُم لله"أكثركم خشيةً له"وأتقاكم له"أي أكثركم طاعة له". ولكن أصوم وأُفطر، وأُصلِّي وأرقُد، وأتزوّج النساء. فمَن رَغِبَ عن سُنِّتِي فليس مِنِّي" (كتاب التاج: ج1 ص41) .
ففي قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على هذا النحو من أنه بجانب العبادة يمارس متعة أخرى من مُتَع هذه الحياة الدُّنيا، ما يدُلُّ على أن الأفضل للمؤمن الجمع بين العبادة لله ومباشرة الدنيا بما تتطلَّبه من مُتْعة أو عمل أو بحث وتفتيش. إذ الرسول ـ عليه السلام ـ هنا كما يصلِّي يباشِر راحة البدنَ في النوم، وكما يصوم يُباشِر متعة المَعِدة بالإفطار، ومتعة النساء بالزواج. ومع ذلك فهو المثل الأعلى للإيمان وفي صلته بالله.
إن العبادة طريق يوصِّل إلى الصلاحية والاستقامة في الحياة، والعمل في الحياة والسعي فيها والبحث في جوانبها العديدة هو التطبيق للكشف عن هذه الصلاحية. ولذا كانت الدنيا دار اختبار للآخرة. ولن تكون دار اختبار بالعُزلة عما فيها وعدم ممارستها.