وانطلقت الدعوة العباسية بهدوء وسرية تامة واقتصرت على خراسان كما ذكرنا من قبل، وبدأ الناس يقبلون عليها يوما بعد يوم، وعاما بعد عام، ومرت بعدة أطوار من الإنحسار والتمدد تبعا للظروف السياسية""
قال المؤرخ محمود شاكر:
وفي 125 توفي محمد بن علي العباسي، وأوصى من بعده لابنه إبراهيم، وأمره أن يقوم بأمور الدعوة. وبعد هذا العام تغيرت الأحوال بالنسبة إلى الدعوة العباسية إذ:
1 -ضعف الحكم الأموي بعد وفاة هشام بن عبدالملك عام 125 ه، وانقسم البيت الأموي على نفسه، وأصبح بعضهم يقاتل بعضا، الأمر الذي كره فيه الناس هذا الخلاف، وتمنوا الخلاص منه. هذا إضافة إلى الحركات التي قامت ضدهم.
2 -زادت العصبية القبلية استحكاما وخاصة في خراسان، وكان الوالي نصر بن سيار مضريا فتعصب لمضريته، وأكثرية العرب هناك من اليمانية فكرهوه هذا بالإضافة إلى كراهية صاحب السلطة دائما بسبب المصالح المستجدة. واتجه أنصار الدعوة العباسية إلى اليمانية، وهكذا جاءتهم التوجيهات أيضا من الإمام. وكره الناس هذا الخلاف، وتمنوا الخلاص منه، كره هذا اليمانيون عامة، وكرهه المضريون أنصار الكرماني، وكرهه أهل الدين لمخالفته للإسلام، وكره ذلك الفرس كما كرهه الترك لأن ذلك يؤثر على بلادهم وعلى أحوالهم المعاشية دون أن يكون لهم أية علاقة، أو دون أن يكون أحد منهم طرفا فيه.
3 -إن هذه الصراعات قد أثرت على أوضاع المنطقة فتأخرت الزراعة، ونال هذا الأمر الموالي بالدرجة الأولى، إذ أنهم هم عمال الأرض، والمنتجون الرئيسيون في المنطقة بل وفي الدعوة عامة، وحرصت أعداد كبيرة منهم على الإنتقال إلى المدينة لتجد حياة أفضل فغصت المدن بالناس