إن العبارة التي استخدمها الهدهد في إيقاف زخم الغضب الشديد الذي اعترى سليمان عليه السلام إثر تغيبه عن الموكب تنم عن نوع فراسة وفطنة، فالهدهد قد أدرك من الوهلة الأولى أن سليمان في حالة من الغضب وأن هذه الحالة لا يصلح معها إلا دفعها بشدة عبر توجيه وجذب اهتمام الملك إلى أمر أعظم خطورة مما يشغل باله وينسيه ما هو فيه من غضب ولذلك قال {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} ولا يخفى ما في هذه العبارة من الجرأة على مقامي النبوة والملك! وعلى حالة الغضب التي يمر بها سليمان عليه السلام، ولكن فراسة الهدهد جعلته يهتدي إلى هذه الطريقة ليخرج بها من غضب الملك وليعرض من خلالها بضاعته الاستخبارية القيمة {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} ثم شرع بالتفاصيل وهذا ما يعرف بأسلوب اللف والنشر، وقد أنهى الهدهد كلامه أمام أعظم ملوك الأرض سليمان عليه السلام بقوله {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} وهو تنبيه ذكي ولطيف من الهدهد للملك سليمان، فالله عز وجل مع عظم عرشه وملكه وجبروته لم يأخذ قوم سبأ بغضبه وسطوته على ما تجرؤا عليه من الشرك العظيم وهو الرازق لهم والمنعم عليهم بل أمهلهم حتى أسلموا لدين الله، فحري بالمبلغين عنه وهم أنبياؤه وصفوة خلقه أن يتحلوا بهذه الصفات الربانية وألا يسبق غضبهم حلمهم! ويالها من خطبة بليغة ويالها من فراسة حميدة!.
قال الله تعالى {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ* فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل 20،21،22] يتضح من سياق الآيات أن المهمة الاستخبارية التي قام بها الهدهد لم تكن عن إذن سليمان عليه السلام ولا عن علمه! إنما بمبادرة