ووقع اختياره على مدينة الكوفة إذ أنها قاعدة الناقمين على بني أمية حيث فيها كثير من أنصار أبناء علي أولا، ثم إن هذه المدينة قد قتل من أبنائها الكثير مع مسلم بن عقيل، ومع المختار الثقفي، ومع مصعب بن الزبير، ومع عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث، ومع الخوارج و. . . . . وقد نقم أهل هؤلاء القتلى جميعا على بني أمية، وعندهم الإستعداد للثورة في كل آن تسمح لهم الفرصة فيه، أو تخف وطأة الحكم الأموي عنهم. ورأى أن خراسان تقع في مشرق الدولة، وإذا دعت الظروف يمكن أن يفر من يريد إلى بلاد الترك المجاورة، كما فعل من قبل ابن الأشعث وغيره.
وفي خراسان يشتد الصراع بين العرب، بين القيسية واليمانية، فيمكن الإفادة من هذا الصراع وجلب الجماعات الناقمة على هذا النزاع، والتي تريد أن تقضي عليه، وتتخلص منه، والجماعات التي يؤلمها هذا الصراع الجاهلي الذي يحاربه الإسلام، فهو عصبية فتنة. انتهى كلامه. وأضاف: ولم يكن الناس قد اتجهوا إلى الزراعة بعد بشكل جيد، أو عادوا إليها بعد الإنصراف إلى الفتوحات وأعمال الغزو، وبالتالي فإن الدولة لم تكن بعد قد أولت الزراعة عنايتها لاتجاهها إلى الفتح وإلى قمع الحركات التي تحدث بين الحين والآخر، وهذا ما جعل الحياة المادية في الريف دونها في المدن فاتجهت أعداد من الشباب نحو الحواضر ليجدوا حياة أفضل، وأولئك يمكن الإفادة منهم في كل حركة، وهم أول ما اتجهت إليهم أنظار محمد بن علي العباسي. ولم تتوجه إلى العرب الذين استحكمت بينهم العصبية إذ يمكن نتيجتها أن تعرف أسرار الدعوة، ويظهر ما يجب إخفاؤه، ثم إن ترف أكثر العرب هناك يجعلهم لا يفكرون بتنظيمات سرية، وليس لهم طموحات سياسية، وفي الوقت نفسه لا يبحثون عن تغيير لأوضاع اجتماعية قائمة أو لتحسين أحوال مادية هم في غنى عنها، إذن لم يكن انصراف محمد بن علي العباسي عن العرب كراهية لهم، كما يزعم المؤرخون المحدثون، ولا حبا بالموالي أو الفرس، أو