فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 174

بداية؛ لابد أن نفرق بين مفهوم الجاسوسية قديما عند بعض الفقهاء ومفهومها المعروف في عصرنا الحديث، فالجاسوس قديما كان يدخل فيه كل من يراسل الكافرين ويخبرهم ببعض الأخبار العامة للمسلمين، أو بما يريدون أن يقومون به من قتال ونحوه؛ ولو كان متأولا في ذلك وليس من أنصار الكفار على الحقيقة، أما الجاسوس في مصطلح العصر الحديث فلا يكون إلا من أولياء الكفار وأنصارهم على الحقيقة فهو يشارك الكافرين في حربهم على المسلمين، فينقل أخبار المجاهدين وتحركاتهم وسكناتهم لحظة بلحظة، في ظل التطورات التقنية ووسائل الاتصال السريعة؛ فيسهل لأعداء الدين ضرب المجاهدين، بل أعداء الدين لا يتحركون لضرب المجاهدين إلا بناء على معلومات جواسيسهم، فهم عيونهم التي يرون بها، فهذا الجاسوس في الواقع مُظاهر ومناصر لهم على الإسلام والمسلمين، بل ومشارك لهم في مباشرة قتل المسلمين، فأصبح بتجسسه مواليا للكافرين، ومظاهرا لهم على المسلمين، فلا فرق بينه وبين سائر الكافرين المحاربين للدين، فهذا كافر بعينه، مرتد عن الإسلام، يجب قتله ردةً.

أما الجاسوس بالمفهوم القديم، وهو الذي يفشي بعض أخبار المسلمين للكافرين لتأويل، فهذا يسميه بعض الفقهاء بالعميل السري، وفعله كبيرة عظيمة كما ذكر ابن القيم رحمه الله، حيث قال في"زاد المعاد": (وفيها - أي في قصة حاطب: أن الكبيرةَ العظيمَةَ مما دون الشركِ قد تُكَفَّرُ بالحسنةِ الكبيرةِ الماحية، كما وقع الجَسُّ مِن حاطب مكفَّرًا بشهوده بدرًا) ، فهذا التجسس بهذا المفهوم هو الذي وقع الخلاف في عقوبته قديما، والفقهاء وإن كانوا قد اتفقوا على أن فعله يستحق التعزير، إلا أنهم اختلفوا في نوعية عقوبته على عدة أقوال:

فذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وبعض أصحاب مالك، وأبو يعلى وغيره من الحنابلة وهو ظاهر مذهب أحمد: أنه لا يُقتل، بل يُجلد جلدًا وجيعًا، ويُطال حبسه إلى أن يتوب، ويُنفى مِن الموضع الذي يكون فيه قريبا من الكفار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت