فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 149

والشافعي يجوِّز البيع على هذه الصورة بشرط أن يَكون المشتري الذي وَعَدَ بالشراء بالخيار، إنْ شاء أخذ السلعة، وإنْ شاء ترك؛ لأن الخيار يرتفع معه الغَرَر والمُخَاطرة الحاصلة من بيع الشيء قبل مِلْكه، فيصح البيع عنده. (انظر الأم 3/ 33،"وبيع المُرابحة للأمر بالشِّراء كما تُجريه المصارف الإسلامية"ص33 وما بعدها، وقد أخذت المصارف الإسلامية بهذا الرأي، وصَدَرَت لها فتاوى من رقاباتها الشرعية بشرعية المعاملة، على أن يُجَدَّد عقد الشراء بعد إحضار السلعة من قبل المصرف ـ كما يقول الشافعية ـ حتّى لا يقع البيع على ما ليس في مالك البائع، وعلى أن تكون السلعة في ضمان البائع وعُهْدَته وهو المصرف إلى أنْ يستلمها العميل، ولو اقتصرَ الأمرُ على هذا الحدِّ لما كان في الأمر ما يستوقف، فإنَّ المعاملة صحيحة عند الشافعي بهذه الصورة، ولكن ما جعل المسألة في محلِّ النَّظر، وأثار حولها اعتراضات متعددة، أهمُّها عندي أن المصرف جعل الاتِّفاق المبدئي، الذي هو في صورة وعدٍ جعله مُلْزِمًا للطرفين، مُجبَرين على تنفيذه، وبذلك ـ في تقديري ـ ألغى المصرف من الناحية العملية ما اشترطه أولًا من وجوب تجديد عقد بعد إحضار السلع، فإن الأمر آلَ إلى أنَّ الإلزام للطرفين مستمرٌّ منذ الاتِّفاق الأوَّل الذي أعطى صورة الوعد من الناحية الشكلية وأخذ في الواقع العملي قوَّة العَقْدِ يجعله مُلْزِمًا لا يصحُّ للطرفين التخلي عنه، فاشتراطُ إنشاءِ عَقْدٍ جديد بعد إحضار السلعة صار مسألةً شكلية يتوصل به إلى تبرير الصفقة؛ لأن الإلزام موجود بدونه، وبذلك انخرمت القاعدة التي بَنَى عليها الشافعية جواز التعامل على هذا النحو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت