اللّه بذاته يكفي لاطمئنان المؤمن،أدرك الأسباب أولم يدركها،فهو حق واقع لأنه وعد اللّه.
والكفر بنعمة اللّه قد يكون بعدم شكرها.أو بإنكار أن اللّه واهبها،ونسبتها إلى العلم والخبرة والكد الشخصي والسعي! كأن هذه الطاقات ليست نعمة من نعم اللّه! وقد يكون بسوء استخدامها بالبطر والكبر على الناس واستغلالها للشهوات والفساد ..وكله كفر بنعمة اللّه ..والعذاب الشديد قد يتضمن محق النعمة.عينا بذهابها.أو سحق آثارها في الشعور.فكم من نعمة تكون بذاتها نقمة يشقى بها صاحبها ويحسد الخالين! وقد يكون عذابا مؤجلا إلى أجله في الدنيا أو في الآخرة كما يشاء اللّه.ولكنه واقع لأن الكفر بنعمة اللّه لا يمضي بلا جزاء.
ذلك الشكر لا تعود على اللّه عائدته.وهذا الكفر لا يرجع على اللّه أثره.فاللّه غني بذاته محمود بذاته،لا بحمد الناس وشكرهم على عطاياه.
«وَقالَ مُوسى:إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ» ..إنما هو صلاح الحياة يتحقق بالشكر،ونفوس الناس تزكو بالاتجاه إلى اللّه،وتستقيم بشكر الخير،وتطمئن إلى الاتصال بالمنعم،فلا تخشى نفاد النعمة وذهابها،ولا تذهب حسرات وراء ما ينفق أو يضيع منها.فالمنعم موجود،والنعمة بشكره تزكو وتزيد. [1]
فالمخلفون من الأعراب - وكانوا من أعراب غفار ومزينة وأشجع وأسلم وغيرهم ممن حول المدينة - سيقولون اعتذارا عن تخلفهم: «شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا» ..وليس هذا بعذر.فللناس دائما أهل وأموال.ولو كان مثل هذا يجوز أن يشغلهم عن تكاليف العقيدة،وعن الوفاء بحقها ما نهض أحد قط بها ..وسيقولون «فَاسْتَغْفِرْ لَنا» ..وهم ليسوا صادقين في طلب الاستغفار كما ينبئ اللّه رسوله - صلى الله عليه وسلم -: «يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ» ..
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2088)