من جانب آخر تأخذ بالأسباب منقطعة عن الله وقدره،فتنتج إنتاجًا ماديًا ضخمًا ما يصيبها من قلق واضطراب وأمراض عصبية ونفسية وجنون وانتحار وضياع لأنها تفقد الطمأنينة التى يجدها المؤمن لذكر الله ولقدر الله0
والإسلام يوازن موازنة جميلة بين هذين الحدين المتطرفين،فهو يعلم الناس أن هناك سننا ربانية يدير الله بها الكون المادى والحياة البشرية.وأنه لابد من اتباع هذه السنن ومجاراتها إذا رغبنا في الوصول إلى نتائج معينة،ومقتضى ذلك هو الأخذ بالأسباب.ولكنه في الوقت ذاته يربى المؤمن على ألا يتكل على الأسباب الظاهرة فيحبط عمله،إنما يظل قلبه موصولا بالله،متطلعا إليه أن ينجح مسعاه ويوصله إلى النتائج المرغوبة.وبذلك يتوازن الإنسان في سعيه في الأرض لا يهمل الأسباب ويتواكل،ولا يكف عن التطلع إلى قدر الله0
4-أخيرًا نقول:إن هذه العقيدة توازن بين جوانب الحياة الإنسانية المختلفة فلا يطغى منها جانب على جانب.فكما أن الجانب الروحي لا يطغى على الجانب المادي،فكذلك لا يطغى الجانب السياسي على الاقتصادي،ولا الاقتصادي على الخلقي وهكذا.بل تتوازن جوانب الحياة كلها على محور العقيدة الرئيس الذي مقتضاه الإيمان بالله والالتزام بما أنزل الله،فتسير كلها متوازية متوازنة في آن واحد 0 [1]
لذلك فهي تهتم بتربية جميع جوانب الإنسان الخلُقية والجسمية والعقلية،وتحقق التوازن بين مطالب الإنسان الجسدية والروحية،فلا يطغى جانب على جانب آخر،بحيث تجعل الإنسان في صراع نفسي وعناء داخلي،وكبت لغرائزه التي فطره الله عليها،فعندما أمر الله تعالى بالأخلاق الفاضلة حذر الإنسان من الرذائل،وشرع له الطرق والسبل لإقامة ذلك التوازن،فأباح له مثلًا الزواج،وتعدد الزوجات إلى أربع،وحذره من رذيلة الزنا،ووضع لها حدًّا في الشرع .
ولحاجة الإنسان للمال أحلَّ له التجارة،وحثه على العمل والكسب الحلال،وحرم عليه الربا،قال تعالى:الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ
(1) - ركائز الإيمان بتحقيقي ص (427- 430)