فعالية من ذي قبل وهكذا حتى يتمكن المجتمع من أن يطهر نفسه بنفسه ويرقى إلى صف المجتمع الذي ينشده إيمانه ويفرضه تميزه الذي ينتج عزلة شعورية تتحول مع الأيام إلى عزلة اجتماعية تامة ...ومعنى العزلة التامة أنها تصبح دولة بها سلطة إسلامية تزاول أحكام الشريعة الإسلامية على شعب مسلم ملتزم بهذا الإسلام.
وليس معنى العزلة التامة هذه أنها ستستغني عن المجتمعات الأخرى لا،بل العكس هو الصحيح إنها ستصبح أكثر تفاعلًا مع المجتمعات الأخرى ولكن هاذ التفاعل يفرضه ويكيفه التصور الإيماني لهذه الدولة،فهي دولة دعوة وإيجابية تؤثر في الدولة أو في غيرها من الدول من هذا الجانب وتعاهد وتخاصم على ضوء هذا التصور،وهذا الجانب في العلاقات نظَّمه الإسلام على مستوى الدولة تنظيمًا تفصيليًا فيما يسمى بالعلاقات الدولية في الإسلام.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - حين بدأ الدعوة في مكة ظل ثلاثة عشر عامًا يبني التصور الإيماني لعقيدة المسلم وينشئ شخصية مسلمة متميزة عن الشخصية الجاهلية وأفكارها وتصوراتها.
ومع ذلك لم يفارق المجتمع ولم يقطع صلته بهم وكان يخاطبهم،بل ويستعين بهم،كما استعان بعبد الله بن أريقط في أدق مهمة وأخطرها حين الهجرة من مكة إلى المدينة فكان عبدالله دليله في هذا الشأن الخطير،وهو ما زال على شركه ولكن كانت حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعايشته مع المجتمع المشرك معايشة تفاعل وتأثير إيجابي كانت نتيجة ذلك الرعيل الأول الذي أقام بعد ذلك دولة الإسلام في المدينة.
فكان يعايش المجتمع الجاهلي إذًا ويحسُّ بالعزلة الشعورية في جوانبه ويحسها كلُّ من يدخل الإسلام،فكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا دخل أحدهم الإسلام ترك كل ما هو جاهلي أمام عتبة داره ودخل شخصًا جديدًا كأنه ولد من يومه.
حتى إذا تسنى لهم أن يعتزلوا عزلة تامة في مشاعرهم ومعاملاتهم وشؤونهم كلها أذن الله لهم بالهجرة وهناك أقاموا الدولة الإسلامية.