وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا ذُكِرَ لِي - يُحَدّثُ عَمّا كَانَ اللّهُ يَحْفَظُهُ بِهِ فِي صِغَرِهِ وَأَمْرِ جَاهِلِيّتِهِ أَنّهُ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتنِي فِي غِلْمَانِ قُرَيْشٍ نَنْقُلُ حِجَارَةً لِبَعْضِ مَا يَلْعَبُ بِهِ الْغِلْمَانُ كُلّنَا قَدْ تَعَرّى،وَأَخَذَ إزَارَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ فَإِنّي لَأُقْبِلُ مَعَهُمْ كَذَلِكَ وَأُدْبِرُ إذْ لَكَمَنِي لَاكِمٌ مَا أَرَاهُ لَكْمَةً وَجِيعَةً ثُمّ قَالَ شُدّ عَلَيْك إزَارَك ؛قَالَ فَأَخَذْتُهُ وَشَدَدْتُهُ عَلَيّ ثُمّ جَعَلْت أَحْمِلُ الْحِجَارَةَ عَلَى رَقَبَتِي وَإِزَارِي عَلَيّ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي [1]
وكان - صلى الله عليه وسلم - يخرج للسفر والتجارة،وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام سافر مرتين:مرة قبل البلوغ مع عمه أبي طالب،فعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى،عَنْ أَبِيهٍ،رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،قَالَ:خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ،فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ،هَبَطُوا فَخَلَّفُوا رِحَالَهُمْ،فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ،وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَلْتَفِتُ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ،فَجَاءَ فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمْ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ،هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ،هَذَا ابْتَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ،فَقَالَ لَهُ الأَشْيَاخُ مِنْ قُرَيْشٍ:مَا عِلْمُكَ ؟ قَالَ:إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ،لَمْ تَبْقَ شَجَرَةٌ وَلاَ حَجَرٌ إِلاَّ سَجَدَ،وَلاَ يَسْجُدُ ذَلِكَ إِلاَّ لِنَبِيٍّ،وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ عَنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ،ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا،فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ،قَالَ:أَرْسِلُوا إِلَيْهِ،وَكَانَ فِي رَعِيَّةِ الإِبِلِ،فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ،فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ،فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ،قَالَ:انْظُرُوا مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ،فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِ وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَلا تَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ،فَإِنَّ الرُّومَ إِنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَقَتَلُوهُ،قَالَ:ثُمَّ الْتَفَتَ،فَإِذَا هُوَ بِتِسْعِ فَوَارِسَ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ،فَقَالَ:مَا جَاءَ بِكُمْ ؟ قَالُوا:جِئْنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ الَّذِي هُوَ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ،وَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلاَّ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ أُنَاسٌ،وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ فَبُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا،فَقَالَ لَهُمْ:هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ ؟ قَالُوا:إِنَّمَا اخْتَارَنَا خِيرَةً لِطَرِيقِكَ هَذَا،قَالَ:أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَقْضِيَهُ،هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ ؟ قَالُوا:لاَ،قَالَ:فَارْجِعُوا،قَالَ:فَتَابَعُوهُ
(1) - سيرة ابن هشام - (1 / 183) بلا سند