قال الإمام شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن قيم الجوزية في كتابه: «زاد المعاد في هدي خير العباد» يلخص هدي رسول اللّه ( - صلى الله عليه وسلم - ) في ذكر اللّه:«كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل الخلق ذكرا للّه عز وجل.بل كان كلامه كله في ذكر اللّه وما والاه.
وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرا منه للّه،وإخباره عن أسماء الرب وصفاته وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ذكرا منه له،وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتحميده وتسبيحه ذكرا منه له،وسؤاله ودعاؤه إياه ورغبته ورهبته ذكرا منه له.وسكوته وصمته ذكرا منه له بقلبه.فكان ذاكرا للّه في كل أحيانه وعلى جميع أحواله.وكان ذكره للّه يجري مع أنفاسه قائما وقاعدا وعلى جنبه،وفي مشيته وركوبه،وسيره ونزوله،وظعنه وإقامته. [1]
"والقرآن الكريم يرى أن مادة العلم مادة الخشية من الله -سبحانه وتعالى-،قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (28) سورة فاطر"
يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ إِلى قُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ عَلَى خَلقِ الأَشياءِ المُخْتَلِفَةِ،المُتَنَوِّعَةِ المُظَاهِرِ وَالأِشْكالِ،مِنَ الشَّيءِ الوَاحِدِ،فَيَقُولُ تَعَالى إِنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَطَرًا فَأَرْوَى بِهِ الأَرْضَ،فَأَخْرَجَتْ ثِمَارًا مُخْتَلِفَةَ الألوانِ والطُّعُومِ والرُّوَائِحِ،وَإِنَّه خَلَقَ الجِبَالَ كَذَلِكَ مُخْتَلِفَةَ الأَلْوَانِ،فَمِنْهَا الأَبْيَضُ وَمِنْهَا الأَحْمَرُ وَمِنْهَا الأَسْوَدُ الغِرْبِيْبُ .
وَجَعَلَ اللهُ تَعَالى النَّاسَ والدَّوابَّ والأَنْعَامَ مُخْتَلِفِي الأَلوَانِ والأَشْكَالِ في الحِنْسِ الوَاحِدِ،فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ،وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس لاَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ حَقَّ المَعْرِفَةِ،والذِي يَعْرِفُهُ منْهُمْ هُم العَالِمُونَ بأَسْرَارِ الكَوْنِ،العَارِفُونَ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالى،فَهَؤُلاءِ هُمُ الذِينَ يَخْشَوْنَ اللهَ،وَيتَّقُونَ عِقَابَهُ،فَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِهِ .واللهُ عَزيزٌ فِي انتِقَامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ،غَفُورٌ لِذُنُوبِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَطَاعَهُ . [2]
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3938)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 3568)