وَقَوَامَةُ اللهِ فِي تَدْبِيرِ هَذَا الكَوْنِ،وَأمُورِ الخَلْقِ،تَتَّصِفُ دَائِمًا بِصِفَةِ العَدْلِ ( قَائِمًا بِالقِيْطِ ) .وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى سُنَنَ الخَلْقِ قَائِمَةً عَلَى أسَاسِ العَدْلِ .ثُمَّ أكَّدَ تَعَالَى كَوْنَهُ مُنْفَرِدًا بِالألُوهِيَّةِ،وَقَائِمًا بِالعَدْلِ ( لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) . [1]
وأول خمس آيات نزلت على النبي - - صلى الله عليه وسلم - تدعوه إلى العلم قال تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } [العلق:1 - 5]
اقْرَأَ يَا مُحَمَّدُ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مُفَتَتِحًا قِرَاءَتكَ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي لَهُ وَحْدَهُ القُدْرَةُ عَلَى الخَلْقِ .وَرَبُّكَ هُوَ الذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ،السَّوِيَّ القَوِيَّ،مِنْ نُطْفَةٍ تَنْطَلِقُ مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ فَتَسْتَقِرُّ فِي رَحمِ الأُنْثَى،فَتَتَطَوَّرُ بَعْدَ أَيَّامٍ،وَتُصْبِحُ عَلَقَةً ( كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ) ،ثُمَّ يَسْتَمِرُّ التَّطَوُّرُ فِي خَلْقِ الإِنْسَانِ حَتَّى يَتَكَامَلَ وَيُولَدَ طِفْلًا .وَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِرَاءَةِ ( اقْرَأْ ) ،وَرَبُّكَ الأَكْثَرُ كَرَمًا وُجُودًا لِكُلِّ مَنْ يَرْتَجِي مِنْهُ الإِعْطَاءُ،فَهُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يُيَسِّرَ عَلَيْكَ نِعْمَةَ القِرَاءَةِ .وَهُوَ تَعَالَى الذِي عَلَّم الإِنْسَانَ أنْ يَكْتُبَ بِالقَلَمِ،وَجَعَلَ الكِتَابَةَ بِالقَلَمِ وَسِيلَةً لإِدْرَاكِ الإِنْسَانِ العُلُومَ،وَالمَعَارِفَ،حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ،وَبِفَضْلِ القَلَمِ حُفِظَتِ العُلُومُ،وَانْتَقَلَتْ فِي الأَرْضِ مِنْ صِقْعٍ إِلَى صِقْعٍ .وَقَدْ عَلَّمَ اللهُ تَعَالَى الإِنْسَانَ جَمِيعَ مَا هُوَ مُتَمَتِّعٌ بِهِ مِنَ العُلُومِ،وَكَانَ فِي بَدءِ أَمْرِهِ لاَ يَعْلَمُ شَيئًا . [2]
إنها السورة الأولى من هذا القرآن،فهي تبدأ باسم اللّه.وتوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أول ما توجه،في أول لحظة من لحظات اتصاله بالملأ الأعلى،وفي أول خطوة من خطواته في طريق الدعوة التي اختير لها ..
توجهه إلى أن يقرأ باسم اللّه: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» ..
وتبدأ من صفات الرب بالصفة التي بها الخلق والبدء: «الَّذِي خَلَقَ» .
ثم تخصص:خلق الإنسان ومبدأه: «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ» ..من تلك النقطة الدموية الجامدة العالقة بالرحم.من ذلك المنشأ الصغير الساذج التكوين.فتدل على كرم الخالق
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 312)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 5984)