وَكَيْفَ جَعَلَ اللهُ الجِبَالَ كَالأَوْتَادِ أَرْسَى بِهَا الأَرْضِ وَثَبَّتَهَا،لِكَيْلاَ تَضْطَرِبَ وَتَمِيدَ بِالنَّاسِ وَالخَلاَئِقِ عَلَيْهَا؟ [1]
والمهاد:الممهد للسير ..والمهاد اللين كالمهد ..وكلاهما متقارب.وهي حقيقة محسوسة للإنسان في أي طور من أطوار حضارته ومعرفته.فلا تحتاج إلى علم غزير لإدراكها في صورتها الواقعية.وكون الجبال أوتادا ظاهرة تراها العين كذلك حتى من الإنسان البدائي وهذه وتلك ذات وقع في الحس حين توجه إليها النفس.
غير أن هذه الحقيقة أكبر وأوسع مدى مما يحسها الإنسان البدائي لأول وهلة بالحس المجرد.وكلما ارتقت معارف الإنسان وازدادت معرفته بطبيعة هذا الكون وأطواره،كبرت هذه الحقيقة في نفسه وأدرك من ورائها التقدير الإلهي العظيم والتدبير الدقيق الحكيم،والتنسيق بين أفراد هذا الوجود وحاجاتهم وإعداد هذه الأرض لتلقي الحياة الإنسانية وحضانتها وإعداد هذا الإنسان للملاءمة مع البيئة والتفاهم معها.
وجعل الأرض مهادا للحياة - وللحياة الإنسانية بوجه خاص - شاهد لا يمارى في شهادته بوجود العقل المدبر من وراء هذا الوجود الظاهر.فاختلال نسبة واحدة من النسب الملحوظة في خلق الأرض هكذا بجميع ظروفها.
أو اختلال نسبة واحدة من النسب الملحوظة في خلق الحياة لتعيش في الأرض ..الاختلال هنا أو هناك لا يجعل الأرض مهادا ولا يبقي هذه الحقيقة التي يشير إليها القرآن هذه الإشارة المجملة،ليدركها كل إنسان وفق درجة معرفته ومداركه ..
وجعل الجبال أوتادا ..يدركه الإنسان من الناحية الشكلية بنظره المجرد،فهي أشبه شيء بأوتاد الخيمة التي تشد إليها.أما حقيقتها فنتلقاها من القرآن،وندرك منه أنها تثبت الأرض وتحفظ توازنها ..وقد يكون هذا لأنها تعادل بين نسب الأغوار في البحار ونسب المرتفعات في الجبال ..وقد يكون لأنها تعادل بين التقلصات الجوفية للأرض والتقلصات السطحية،وقد يكون لأنها تثقل الأرض في نقط معينة فلا تميد بفعل الزلازل والبراكين
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 5555)