وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَوَّل مَنْ جَمَعَ الأَْوْلاَدَ فِي الْمَكْتَبِ وَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيَّ أَنْ يُلاَزِمَهُمْ لِلتَّعْلِيمِ وَجَعَل رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال . [1]
وكان من نتيجة ذلك أن أقبل الناس على العلم والتعلم بشكل لا نظير له في تاريخ البشرية..يقول أحد المفكرين: (إن الدولة الإسلامية سبقت العالم كله في نشر التعليم مجانًا للمواطنين جميعًا بلا تمييز أو محاباة،فكانت المدارس مفتوحة على مصاريعها للشعب جميعًا في المسجد،ودور العلم،والأماكن العامة..في كل البلاد التي دخلت الإسلام،ومن بقايا ذلك التعليم الحر المباح التعليم المجاني القائم بالأزهر الشريف،وبكلية دار العلوم،وجميع المدارس الشرعية..فالطلاب يمنحون فيها إعانات مالية لتوفير الغذاء لهم مما تعمل الدول الآن على تعميمه في أرجائها) [2]
بقي السؤال إذا كان المعلم متفرغًا للتعليم،وليس عنده مورد آخر يتكسّب منه هل يجوز له أن يأخذ أجرًا على تعليمه؟ لاشك أن المعلم حينما يكون متفرغًا للعلم والتعليم،وحينما لا تتيسر له الأسباب في الحصول على بُلْغة العيش،وحينما تتساهل الدولة،أو يتساهل المجتمع في كفايته وكفالته..فإنه يجوز أن يأخذ على تعليمه أجرًا يحقق له كرامة النفس،وبُلْغة الحياة..وإلى هذا يشير الإمام الغزالي رحمه الله في إحيائه: (وكذلك للمدرس أن يأخذ ما يكفيه ليفرّغ قلبه عن المعيشة،وليتجرد لنشر العلم،فيكون مقصوده نشر العلم،وثواب الآخرة،ويأخذ الرزق بُلْغة ميسِّرة للمقصود) .
قال أبو الحسن - كما روى القابسي:وقد مرت بي حكاية تذكر عن ابن وهب أنه قال:كنت جالسًا عند مالك فأقبل إليه معلم الكُتّاب،فقال له:يا أبا عبد الله! إني رجل مؤدّب الصبيان،وإنه بلغني شيء،فكرهت أن أشارط (أي على الأجر) وقد امتنع الناس عليّ،وليسوا يعطونني كما كانوا يعطون،وقد اضطررت بعيالي وليس لي حيلة إلا التعليم.فقال له مالك:اذهب وشارِطْ،فانصرف الرجل،فقال له بعض جلسائه:يا أبا عبد
(1) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (38 / 228) وميزان العمل - (1 / 52) و الفواكه الدواني 1 / 35 .
(2) - مجلة التمدن الإسلامي من مقال ( التربية الإسلامية ) للأستاذ محمود مهدي استانبولي ص 422