وإن كان يغلب على نفسه الجانب"البهيمي"جرى وراء الشهوات والملذّات يقتحم إلى بلوغها كل حرمة،ويسلك من أجلها كل طريق..لا حياء يردعه،ولا ضمير يقمعه،ولا عقل يمنعه،يقول ما قاله أبو النواس:
إنما الدنيا طعام وشراب وَنَدام فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام
وإن كان مزاجه من النوع"العصبي"جعل همه العُلوّ في الأرض،والاستكبار على الناس،وإظهار السلطة والتحكم في الرقاب،والفخر بلسانه،والاختيال بفعاله،ولم يهمه في سبيل ذلك أن يبني قصرًا من جماجم البشر،وأن يزخرفه بدماء الأبرياء،شعاره ما قاله الشاعر الجاهلي [1] :
أَلاَ لاَ يَجْهَلَنَّ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَا
وَنَحْنُ الحَاكِمُوْنَ إِذَا أُطِعْنَا وَنَحْنُ العَازِمُوْنَ إِذَا عُصِيْنَا
وَنَحْنُ التَّارِكُوْنَ لِمَا سَخِطْنَا وَنَحْنُ الآخِذُوْنَ لِمَا رَضِيْنَا
وَأَنَّا المَانِعُوْنَ لِمَا أَرَدْنَا وَأَنَّا النَّازِلُوْنَ بِحَيْثُ شِيْنَا
وَأَنَّا التَارِكُوْنَ إِذَا سَخِطْنَا وَأَنَّا الآخِذُوْنَ إِذَا رَضِيْنَا
وَأَنَّا العَاصِمُوْنَ إِذَا أُطِعْنَا وَأَنَّا العَازِمُوْنَ إِذَا عُصِيْنَا
وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْوًا وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِرًا وَطِيْنَا
مَلأْنَا البَرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّا وَظَهرَ البَحْرِ نَمْلَؤُهُ سَفِيْنَا
إِذَا بَلَغَ الفِطَامَ لَنَا صَبِيٌّ تَخِرُّ لَهُ الجَبَابِرُ سَاجِديْنَا
وإن كان يغلب عليه الجانب"الشيطاني"دبر المكائد،وفرق بين الأحبة،ووضع الألغام ليدمر،وسمّم الآبار ليقتل،وعكر المياه،ليصطاد،وزيّن الإثم،وأغرى بالفاحشة،وأوقع العداوة والبغضاء بين الناس،وقال مع الشاعر [2] :
إذا أنتَ لم تَنْفَعْ فَضُرَّ، فإنّما يُرَجّى الفَتى كَيْما يَضُرَّ ويَنْفَعا
(1) - تراجم شعراء موقع أدب - (49 / 259) والبيات لعمرو بن كلثوم من معلقته
(2) - تراجم شعراء موقع أدب - (36 / 344) والحيوان - (1 / 209