مِياه: ماءُ السماءِ (أي: النازل منها،
للتأكيد فقط وإلا فلا حاجة إليه، ولا يخفى أن الحكم بالسبع على مجموع المياه كما في قولهم: رجال البلد يحملون الصخرة العظيمة لا على كل فرد من أفراد المياه، وإلا لكانت الأقسام تسعة وأربعين؛ لأنه قد حكم حينئذ على كل فرد من أفراد السبعة بأنها سبعة كما تقتضيه عبارته؛ لأن المياه جمع محلى بـ (ألـ) فيفيد العموم، فإن قيل: ظاهر عبارته الحصر في السبعة مع أنه يجوز التطهير أيضا بغيرها؛ كالماء النابع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم؛ فإنه عليه الصلاة والسلام دعا بركوة في وقعة الحديبية لما عطشت الصحابة كثيرا، فَأُتِيَ له بركوة فيها ماء قليل فوضع فيها يده؛ فصار الماء يفر من بين أصابعه حتى سقوا، وهو إيجاد معدوم لا تكثير موجود؛ كالماء الذي يؤخذ من ندى الزرع، وإن قيل بأنه نفس دابة في الأرض فيكون نجسا لأنه قيء، وهو ممنوع لأنه لا دليل عليه، وكالماء المسمى بالزلال لأنه ليس بحيوان بل على صورته، [و] أجيب: بأن الحصر إضافي لأنه بالإضافية أي: بالنسبة إلى ما عداها من المائعات فلا ينافي أنه يجوز التطهير بغيرها من المياه على أن مراده بيان ما يجوز التطهير به من المياه المشهور العامة الوجود.
(تنبيه) أفضل المياه ما نبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، ثم ماء زمزم، ثم ماء الكوثر، ثم نيل مصر، ثم باقي الأنهار كسيحون وجيحون، والدجلة والفرات، وقد نظم ذلك التاج السبكي فقال:
وأفضل المياه ماء قد نبع# من بين أصابع النبي المتبع (1)
يليه ماء زمزم فالكوثر # فنيل مصر ثم باقي الأنهار
قوله: (ماء السماء) الإضافة على معنى من كما يشير إليه قول الشارح أي النازل منها. قال تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) وهل المراد بالسماء الجرم المعهود أو السحاب؟ لأن السماء لغة اسم لما علا وارتفع، قولان: ولا مانع من أن ينزل من كل منهما، فينزل من الجرم المعهود أولا قطعا كبارا فيتلقاه السحاب فينماع وينزل من عيون كعيون الغربال. وما قيل من أن السحاب ينزل في البحر الملح، فيغترف منه كالسفنج، ثم يرتفع وينعصر، فينزل منه الماء وتقصره الرياح فيحلو. فمن زعم العرب ذلك، قال الشاعر @
(1) قوله من بين أصابعه لعل من زائدة في النظم أو يقرأ بدرج همزة أصابع ليصح الوزن تأمل اهـ. من الهامش