فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 1489

والرحمن أبلغ من الرحيم. (الحمد لله)

فليس فيه شيء من ذلك على التحقيق، والله ولي التوفيق. قوله: (الواجب الوجود) هذا بيان وتعيين للمسمى وليس معتبرًا من المسمى، وإلا لكان المسمى مجموع الذات والصفة، وليس كذلك، بل المسمى هو الذات وحدها. ومعنى كونه واجب الوجود: أنه لا يجوز عليه العدم، فلا يسبقه عدم ولا يلحقه عدم. وخرج بذلك واجب العدم كالشريك، وجائز الوجود والعدم وهو الممكن، فإنه جائز الوجود والعدم لذاته. وإن كان واجب الوجود لغيره كالممكن الذي علم الله وجوده في وقت كذا، فإنه واجب الوجود لتعلق علمه بذلك لا لذاته بل لغيره. وإنما لم يقل: المستحق لجميع المحامد؛ إشارة إلى أن هذا كاف في المعنى؛ لأنه يلزم من كونه واجب الوجود أنه مستحق لجميع المحامد. والأول إشارة إلى صفات التنزيه، والثاني إشارة إلى صفات الكمال. فتقديمه عليه في عبارة بعضهم من قبيل تقديم التخلية على التحلية. قوله: (والرحمن أبلغ من الرحيم) أي لأن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى غالبًا. فالأول معناه: المنعم بجلائل النعم، والثاني معناه: المنعم بدقائقها، وجمع بينهما إشارة إلى أنه ينبغي طلب النعم الجليلة والحقيرة منه تعالى. وخرج بغالبًا، نحو: حذر وحاذر، فإن الأول أبلغ من الثاني؛ لأن الأول صفة مشبهة وهي تدل على الدوام والاستمرار، والثاني اسم فاعل وهو لا يدل إلا على الاتصاف بالشيء ولو مرة. واعلم أن الرحمن الرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من مصدر رحم، بعد تنزيله منزلة اللازم أو نقله من فعل بالكسر على فعل بالضم. فلا يرد ما يقال: إن الصفة المشبهة لا تصاغ من المتعدي، ورحم متعدّ، فإنه يقال: رحمك الله. قوله: (الحمد لله) لم يعطفها على البسملة؛ إشارة إلى استقلال كل منهما في حصول التبرك به. وأل في الحمد إما للإستغراق أو للجنس أو للعهد. واللام في لله إما للإستحقاق أو للاختصاص أو للملك. والأولى أن تكون أل للجنس واللام للاختصاص. فالمعنى حينئذ: جنس الحمد مختص بالله.

ويلزم من اختصاص الجنس اختصاص الإفراد؛ إذ لو خرج فرد منها لغيره لخرج الجنس في ضمنه، فهو في قوة أن يدعي أن الإفراد مختصة بالله بدليل اختصاص الجنس به فهو كدعوى الشيء ببينة. فالدعوى هي اختصاص الإفراد، والبينة هي اختصاص الجنس. والمشهور أن جملة الحمدلة خبرية لفظًا إنشائية معنىً، ويصح أن تكون خبرية لفظًا ومعنىً؛ لأن الإخبار بالحمد حمد، فيحصل الحمد بها وإن قصد بها الإخبار. وأركان الحمد خمسة: حامد، ومحمود، ومحمود به، ومحمود عليه، والصيغة. فإذا قلت: زيد عالم لكونه أكرمك، فأنت حامد وزيد محمود والعلم محمود به والكرم محمود عليه، والصيغة هي قولك: زيد عالم. والمحمود به والمحمود عليه قد يختلفان ذاتًا واعتبارًا كما في هذا @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت