فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 1768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً)

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَحْدَهَا.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَهْلُ دِينٍ وَاحِدٍ، أَهْلُ ضَلَالَةٍ أَوْ أَهْلُ هُدًى.

(وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ)

أَيْ عَلَى أَدْيَانٍ شَتَّى، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ.

(إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ)

اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ بِالْإِيمَانِ وَالْهُدَى فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ.

وقيل: مختلفين في الرزق، فهذا غَنِيٌّ وَهَذَا فَقِيرٌ.

(إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ)

بِالْقَنَاعَةِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.

(وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ)

قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ، وَعَطَاءٌ وَيَمَانٌ: الْإِشَارَةُ لِلِاخْتِلَافِ، أَيْ وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: وَلِرَحْمَتِهِ خَلَقَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ: (وَلِذلِكَ) وَلَمْ يَقُلْ وَلِتِلْكَ، وَالرَّحْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَأْنِيثَ الرَّحْمَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَى الْفَضْلِ.

وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ وَالرَّحْمَةِ، وَقَدْ يشار ب (لِذلِكَ) إِلَى شَيْئَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) [البقرة: 68] وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ ذَيْنِكَ وَلَا تَيْنِكَ، وَقَالَ: (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا) [الفرقان: 67] وَقَالَ: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) [الإسراء: 110] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: 58] وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُ يَعُمُّ، أَيْ وَلِمَا ذُكِرَ (خَلَقَهُمْ) وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ، قَالَ أَشْهَبُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، أَيْ خَلَقَ أَهْلَ الِاخْتِلَافِ لِلِاخْتِلَافِ، وَأَهْلَ الرَّحْمَةِ لِلرَّحْمَةِ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقًا يَرْحَمُهُ وَفَرِيقًا لَا يَرْحَمُهُ.

قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَفِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، الْمَعْنَى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ.

وَقِيلَ: هُوَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) [هود: 103] وَالْمَعْنَى: وَلِشُهُودِ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَلَقَهُمْ.

وَقِيلَ: هُوَ متعلق بقوله: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) [هود: 105] أَيْ لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ خَلَقَهُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت